قراءة في مقابلة الوزير إسلم ولد عبد القادر
#بداية، لا يسع المتابع إلا أن يعبر عن كامل الاحترام والتقدير لمعالي الوزير إسلم ولد عبد القادر؛ رجل دولة وإداري مخضرم، خبر الإدارة والسياسة، وعايش محطات أساسية من تاريخ موريتانيا المعاصر. كما تستحق مقابلته مع الصحفي حنفي الدهاه التثمين، لتوقيتها وطبيعة أسئلتها وصراحة أجوبتها؛ فهي شهادة تستدعي قراءة متأنية، تميز بين قيمة التجربة التاريخية وقابلية الاستنتاجات السياسية للنقاش.
ومن مقتضيات هذا التقدير أن تؤخذ أفكار الرجل بجدية، فتناقش دون تجريح، وتوزن دون مجاملة. وما شد انتباهي في المقابلة، هو تصوره للديمقراطية والإدارة وقوة الحاكم، ثم ما يمكن قراءته من صلة بين استحضار مصير الرئيس السابق، والتعويل على القبائل ومواقع النفوذ، والبحث عن ضمانات لمستقبل الرئيس الحالي.
الديمقراطية: هل نعالج تعثرها بالتراجع عنها؟
يمكن تفهم نقد ممارسة انتخابية تتداخل فيها العصبيات والمصالح، ويضعف فيها حضور البرامج والمحاسبة. لكن التشكيك في صلاحية الديمقراطية لمجتمع يواجه الفقر والأمية يقلب العلاقة بين المشكلة والحل؛ فهذه الأوضاع تزيد حاجة الناس إلى مؤسسات تحمي حقوقهم وتراقب تدبير مواردهم.
الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات؛ إنها أيضًا استقلال القضاء، وحرية التعبير، وتوازن السلطات، وقدرة المواطن على مساءلة المسؤول وتغييره وفق قواعد معلومة. وإذا كانت الممارسة قد أعادت إنتاج النفوذ القبلي والمالي، فذلك يستوجب إصلاح الآليات التي سمحت به. أما تأجيل الحقوق بحجة التخلف، فيوقعنا في حلقة مغلقة: نؤجل المحاسبة لضعف التنمية، ثم يستمر ضعف التنمية في غياب المحاسبة.
ولكل مجتمع خصوصيته، لكنها لا تسقط السؤال الجوهري: من يراقب السلطة، وكيف تصحح أخطاءها؟ فالمواطن الفقير يحتاج إلى صوت يحمي نصيبه من الثروة والكرامة، بقدر حاجته إلى من يستمع إلى معاناته.
الإدارة: نقد مطلوب، وحكم يحتاج إلى ميزان
وفي هذا السياق يأتي وصف الوزير للإدارة الحالية بأنها الأضعف والأكثر هشاشة منذ قيام الدولة. وهو حكم ثقيل، تزداد أهمية مناقشته لصدوره عن رجل عرف الإدارة من داخلها، وتولى مسؤوليات في مراحل من تاريخها.
الإدارة الحالية حصيلة تراكمات متعاقبة في التعيين والتكوين والترقية والرقابة؛ وهذا لا يعفي السلطة القائمة من مسؤولية إصلاحها، لكنه يمنع اختزال أزمتها في عهد واحد أو طبع شخص واحد. وكان المنتظر من صاحب هذه الخبرة أن يصل التشخيص بوصفة واضحة: تعيين على أساس الكفاءة، وتقييم قابل للقياس، وتبسيط للإجراءات ورقمنتها، وجزاء يميز بين المجتهد والمقصر.
فالإدارة القوية تظهر قوتها في إنجاز مصالح المواطن وإنفاذ القانون، ويقاس انضباطها بالنتائج، لا بمقدار الخوف الذي يسود مكاتبها.
بين قوة ولد عبد العزيز وطيبة الغزواني: بأي معيار نحكم؟
ومن اللافت أن الوزير، رغم معارضته للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، أنصف ما رآه فيه من قوة وحضور، ونسب إليه الإشراف على مشاريع وطنية كبرى، مستشهدًا بمشروع مياه بحيرة اظهر. والإنصاف يقتضي الاعتراف بالإنجاز مهما كان الخلاف مع صاحبه؛ فالمشاريع ملك للبلاد، ولا ينبغي أن تمحوها الخصومات اللاحقة.
كما أن الاعتراف بإنجاز لا يمنح صاحبه براءة شاملة، تمامًا كما أن مساءلته لا تبرر إنكار كل ما تحقق في عهده.
وفي المقابل، فإن الجمع بين وصف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بالطيبة وحسن الأخلاق ووصفه بالضعف يستدعي الفصل بين طباع الإنسان وأداء السلطة. فالهدوء واحترام المخالف ليسا دليل عجز، كما أن الصرامة في القول والحضور الشخصي لا يكفيان لإثبات كفاءة الحكم. وإذا كان المقصود بالضعف تأخر القرارات أو التساهل مع التقصير، فلتناقش الوقائع والنتائج بوضوح، بدل جعل الأخلاق نفسها موضع اشتباه سياسي.
تعديل الدستور: الضمانات قبل الترتيبات
ومن هذا المنطلق ينبغي النظر إلى الدعوة لإصلاحات دستورية يتوافق عليها النظام والمعارضة. فالتوافق محمود، لكن قيمته تتحدد بما يضيفه إلى ضمانات المجتمع. والسؤال قبل أي تعديل: أي خلل يعالجه؟ وهل يعزز استقلال القضاء والرقابة والتداول، أم يخفف القيود على ممارسة السلطة؟
إن الإصلاح الجاد يضع قواعد دائمة تصلح لمن نؤيده ولمن نختلف معه. وحين تصبح القواعد قابلة لإعادة التشكيل بحسب احتياجات شاغلي المناصب، تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويبدأ البحث عن الحماية لدى الأشخاص ومراكز النفوذ.
القبيلة ومصير السلف: حين يصبح الخوف مستشارًا
للقبيلة مكانتها وأدوارها في التضامن وتسوية النزاعات، لكن التعويل على القبائل القوية لحماية النظام يطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: من يحمي المواطن الذي لا تسنده جماعة نافذة؟ فالدولة تستمد معناها من قدرتها على ضمان الحقوق بصرف النظر عن الأنساب والولاءات.
وتزداد المسألة حساسية عند قراءة استحضار مصير الرئيس السابق، بما شهده من محاكمة وسجن، إلى جانب التعويل على القبائل والثناء على الوزير الأول ووزيري الدفاع والداخلية. فهذا الجمع يمكن أن يفهم باعتباره رسمًا لمسار طمأنة للرئيس يتجه به نحو أشخاص ومواقع قوة يتصور أنها تؤمّن مستقبله.
هذه قراءة لدلالات الخطاب، وليست جزمًا بالنوايا أو انتقاصًا من المسؤولين المذكورين. لكن الخشية أن يتحول مصير السلف إلى وسيلة لتغذية هاجس الخوف، وأن يصبح سؤال «من سيحميني بعد الحكم؟» أقوى حضورًا من سؤال «ماذا سأترك للدولة بعدي؟».
وحين يصبح الخوف مستشارًا، قد يتقدم الولاء على الكفاءة، ويغدو التحكم في الخلافة السياسية ضرورة شخصية، وتبدو مغادرة السلطة مخاطرة. وهذا من المداخل التي تغذي النزعة الاستبدادية، حتى حين تقدم في صورة حرص على الاستقرار.
مخرج يطمئن الرئيس ويحفظ الجمهورية
لكن رفض استثمار الخوف يقتضي تقديم جواب جاد عنه؛ فالانتقام السياسي وتوظيف القضاء مخاطر تستوجب ضمانات، وترك مستقبل الرؤساء السابقين رهينًا بالخصومات لا يخدم التداول.
وقد تناولت هذا الهاجس في مقالي «من أجل موريتانيا متصالحة مع رؤسائها»، مقترحًا مراجعة المادة 93 لتوضيح الحماية المرتبطة بممارسة المهام الرئاسية، مع استثناء الخيانة العظمى، والتأكيد على مسؤولية منفذي الأوامر غير القانونية، وربط ذلك بترسيخ التداول واحترام ضوابط المأموريات وسن الترشح.
ويمكن تطوير المقترح ضمن حوار وطني وصياغة قانونية دقيقة تضبط أعمال الوظيفة المشمولة بالحماية، وتحدد إجراءات المساءلة أمام قضاء مستقل. ويستكمل ذلك بضمان أمن الرؤساء السابقين وكرامتهم وحقوقهم المادية والبروتوكولية، وفق قواعد عامة مستقرة.
بهذا تصبح مغادرة الحكم انتقالًا طبيعيًا ومحترمًا؛ يطمئن الرئيس إلى الحماية من التعسف، ويطمئن المواطن إلى بقاء ضمانات المحاسبة. فأصدق طمأنة للرئيس أن يجد أمانه في عدالة الدولة، وأن يكون احترامه لقواعد المغادرة جزءًا من إرثه.
الفرصة التي تستحق أن تغتنم
أمام صاحب الفخامة السيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة لأن يقدم جوابًا عمليًا عن هذه الأسئلة: أن يواجه ضعف الإدارة بالكفاءة والمساءلة، وأن يقرن أخلاقه بالحزم، وأن يجعل الزيارات الميدانية بداية لمتابعة تنفيذية يلمس المواطن نتائجها، وأن يرسخ مؤسسات تحفظ الإنجاز بعد الأشخاص.
وعندئذ لن يكون معيار قوته ارتفاع صوته أو خشية المسؤولين منه، بل قدرة إدارته على العمل، وقضائه على الإنصاف، ورقابته على حماية الموارد، ودولته على الاستمرار بثقة بعد مغادرته.
إن قيمة مقابلة الوزير إسلم ولد عبد القادر أنها فتحت نقاشًا يستحق الوضوح والاحترام. وأفضل ما نخرج به منه تصور يجمع بين قوة الدولة وعدالتها، وكرامة الرؤساء وحقوق المواطنين، واستقرار الحكم واحترام التداول.
نريد موريتانيا متصالحة مع رؤسائها، منصفة لمواطنيها؛ يغادر فيها الرئيس الحكم مرفوع الرأس، ويجد فيها أضعف مواطن حقه دون وساطة. فتلك هي قوة الدولة التي تستحق أن نبنيها، وتلك هي الطمأنينة التي تستحق أن نورثها.
د محمد الأمين شريف أحمد