صالح ولد دهماش يكتب /؟ جيوبٌ خفيفة… وحضورٌ ثقيل

Image
chinguitel
التاريخ 27 September 2026 آخر تحديث 27 September 2026

دروسٌ من إينشيري
إلى زملائي ورفاق الدرب…
هذه خلاصة تجربةٍ عشتُها في أيام التحضير لاستقبال فخامة رئيس الجمهورية في ولاية إينشيري، تعلّمتُ منها درسًا لم أستقيه من سنوات الإدارة والإعلام والتدريس مجتمعة، وأحببتُ أن أقتسمه معكم.
شهدتُ في الميدان حضورًا واسعًا من أبناء الولاية وفعالياتها، تنادَوا من كل صوب للترحيب بضيف إينشيري الكبير، فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تعبيرًا عن دعمهم الصادق لمسيرته وتمسّكهم بنهجه. وفي طليعتهم جمعٌ غفيرٌ من رجال الأعمال، استماتوا في إنجاح هذا الاستقبال، فبذلوا من أموالهم وأوقاتهم بسخاءٍ لا يعرف التردّد، وعملوا بإخلاصٍ يليق بمقام الضيف ورمزية المناسبة. فلهم جميعًا خالص الشكر وصادق التقدير؛ حقُّهم في المشاركة ثابت، وعطاؤهم محمودٌ مذكور، وما حسد ذا نعمةٍ على نعمته إلا من ضاق صدره.
أما أنا فقد دخلتُ الميدان كما دخله كثيرون من أمثالي: خفيفَ الجيب، ثقيلَ العزم، زادي جهدي ووقتي، وحادِيَّ وفاءٌ لتوجّهٍ آمنتُ به، ونظامٍ انتميتُ إليه عن قناعةٍ تامة. ذلك حقٌّ أمارسه بحرية، وموقفٌ لا أساوم عليه، لا منّةَ لأحدٍ عليّ فيه، والفضلُ لله وحده.
ورأيتُ إلى جانبي زملاء في مثل حالي، تردّد بعضهم وتوارى آخرون، ظنًّا منهم أن المشاركة في مثل هذه المناسبات حكرٌ على أصحاب المال دون غيرهم، فلا نصيبَ فيها لمن خلت يده منه.
وهذا، في تقديري، موطن الخطأ. فالمشاركة في الشأن العام حقٌّ دستوري مكفول للمواطنين على قدم المساواة، لا يُشترط فيه نصابٌ مالي. والمواطنة لا تُكتسب بالشراء ولا تسقط بالإعسار. ولعلّ بعضنا يحرم نفسه من إسهامٍ كان في وسعه أن يقدّمه، ظنًّا أن ما عند غيره من إمكانات يُنقص من قيمته. ومن سكت عن حقٍّ مكفولٍ له فكأنما تنازل عنه ضمنًا.
وللحضور أرصدةٌ لا تُحفظ في المصارف: ثقافةٌ تحسن قراءة اللحظة، ووعيٌ يدرك ما وراء الصورة، ونضجٌ يوازن بين الحماس والحكمة، وكلمةٌ صادقة تفتح ما لا يفتحه المال وحده. فقيمة المرء لا تُقاس بما في جيبه، بل بما يضيفه. فيا من يشاركني الرأي والحال: ثقوا بأنفسكم، وآمنوا بمواقعكم، ولا تنتظروا إذنًا من رصيدٍ مصرفي لتمارسوا حقًّا أصيلًا.
ثم إن علينا عبئًا آخر لا يقلّ خطرًا، فالحضور لا يقتصر على أرض الواقع، بل يمتدّ إلى الفضاء الرقمي. هذا الفضاء الذي وسّع للناس دائرة التعبير، فتح معها منافذ للفوضى: فيه تُصنع الإشاعة في دقائق، وتُغتال السمعة بنقرة، وتتخفّى الأقلام المأجورة وراء أسماء مستعارة، ويُشترى التأثير كما تُشترى السلع، حتى اختلط الحابل بالنابل، وصار الزيف أسرع انتشارًا من الحقيقة. وفي مثل هذا الفضاء لا تكفي القوانين وحدها لحماية القيم، ما لم يسندها وعيُ المجتمع ويقظته. فكما تحتاج الساحات إلى حضورٍ صادق، يحتاج الفضاء الرقمي إلى كلمةٍ مسؤولة. وهنا يأتي دور المثقف الواعي الناضج، سدًّا منيعًا أمام تآكل القيم، يتثبّت قبل أن ينشر، ويميّز للناس بين الغثّ والسمين، ويذكّر بأن الكلمة أمانة، وأن العهد مع الوطن عقدٌ، والعقد شريعة المتعاقدين.
فلنكن حاضرين لا متفرجين، في الميدان كما في الفضاء الرقمي، كلٌّ بما يستطيع. فالوطن يتّسع لعطاء المال كما يتّسع لعطاء الفكر، وكلاهما يكمل الآخر.
@

Image
mrtel