قراءة في تقرير لجنة التحقيق الخاصة بحرائق المحطات الكهربائية:

Image
chinguitel
التاريخ 11 October 2026 آخر تحديث 11 October 2026

أظهرت قراءة البعض لخلاصة تقرير لجنة التحقيق الخاصة بحرائق المحطات الكهربائية، التي نثمّن الجهود الجبارة التي بذلتها في تقصي ملابسات الحادثين، والبحث في أسبابهما، بعض أوجه القصور في فهم كيفية تنفيذ ومتابعة بعض بنود العقد المتعلق بتركيب ثلاثة خطوط كهربائية بجهد 33 كيلوفولت.

وقد تناول ملحق التقرير هذه النقائص من وجهة نظر اللجنة المحترمة، وصنّفها إلى ثلاثة محاور، غير أن المتأمل في التقرير يرى أنه كان من الضروري التمييز بوضوح بين المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، وتحديد نطاق مسؤولية كل طرف على حدة، تفاديًا لأي لبس قد يدفع القارئ إلى الاعتقاد بأن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية بالدرجة نفسها.

وأعتقد أنه كان من مقتضيات الشفافية أيضًا عرض خلاصة ردود المسؤولين المعنيين، مع مراعاة تفاوت مستويات مسؤولياتهم وطبيعة الأدوار المنوطة بهم في هذه القضية، حتى تتضح الصورة كاملة أمام الرأي العام.

وبعد تقصي بعض جوانب الموضوع لدى عدد من المطلعين على تفاصيله، تبيّن لي أن ما نُسب إلى المدير العام للكهرباء والطاقات المتجددة محمد المختار أحمد مولود الملقب بمحفوظ، لا يرتبط في حد ذاته ارتباطًا مباشرًا بحادثَي الحريق، وإنما يتعلق بتوصيات وملاحظات تخص طبيعة العلاقة الإدارية بين الإدارة المركزية للكهرباء والشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك)، وما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة من حيث توزيع الأدوار والمسؤوليات،  وأعتقد أن اللجنة لم تُولِ  في ما بدا لي الاهتمام الكافي لما نصت عليه الاتفاقية المبرمة بين الوزارة وصوملك، والتي تُسند إلى صوملك صلاحيات اختيار الموردين والمؤسسات والتعاقد معهم من جهة، ومتابعة أعمال تلك المؤسسات ومراقبتها من جهة أخرى، وهو ما درجت عليه الاتفاقيات السابقة استنادا إلى مصادري.

ويستند هذا التوزيع للأدوار - يقول المصدر الموثوق بالنسبة لي - إلى أن صوملك هي الجهة التي تتوفر على الكوادر البشرية والإمكانات اللوجستية والفنية اللازمة لتنفيذ المهام المسندة إليها بموجب الاتفاقية، فضلًا عن كونها الجهة التي ستتولى تشغيل المعدات المعنية ضمن شبكتها، وستكون مسؤولة عن صيانتها مستقبلًا، وفقًا لما جرت عليه العادة.

وبناءً على ذلك، فإن أوجه القصور التي أشارت إليها اللجنة ونسبتها إلى محفوظ تبدو من وجهة النظر هذه بحاجة إلى مراجعة  قراءة روح التقرير في ضوء ما نصت عليه الاتفاقية من توزيع للصلاحيات والمسؤوليات.

وحتى إذا افترضنا جدلًا أن الاتفاقية لم تتضمن هذا التوزيع للأدوار، فإن أسئلة جوهرية تظل مطروحة: هل كان محفوظ من بين الموقعين على الاتفاقية، وهل يوجد فيها بند صريح يُسند إلى الإدارة العامة للكهرباء والطاقات المتجددة مسؤولية متابعة تنفيذ هذه الأشغال نيابة عن الوزارة؟

وهنا تبرز حقيقة زمنية مهمة، وهي أن الاتفاقية وُقّعت في نهاية عام 2024، أي قبل التحاق محفوظ بالوزارة في يناير 2025 وهو ما يستدعي التمييز بين المسؤوليات المرتبطة بإعداد الاتفاقية وإبرامها، وتلك التي قد تنشأ لاحقًا عن تنفيذها أو متابعتها.

كما تبرز أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل كان محفوظ، خلال فترة عمله في صوملك، مكلفًا بإدارة أو مصلحة مختصة بإعداد الدراسات وملفات المناقصات الخاصة بالبرنامج الاستعجالي؟ وهل شارك في دراسة العقود المعنية أو في تقييم العروض؟ وهل كان من بين المسؤولين الذين وافقوا على إسناد العقد إلى الشركة المنفذة؟ وهل شارك في اعتماد الخصائص الفنية للكابلات؟ وهل كان له أي دور في اعتمادها أو استلامها من المصنع؟

إن الإجابة الموضوعية عن هذه الأسئلة، بالاستناد إلى الوثائق والوقائع، كفيلة بتوضيح مدى ارتباط محفوظ بمراحل إعداد المشروع واختيار الشركة وتنفيذ الأشغال، بدلًا من الاكتفاء بإشارات عامة قد تُفهم على نحو لا يعكس حقيقة توزيع المسؤوليات.

ومن المعلوم ضرورة أن المراقبة الفنية ليست مسؤولية عامة متساوية بين جميع الأطراف، بل ترتبط بطبيعة الاختصاص الفني لكل جهة أو شخص، وبمستوى التأهيل والإمكانات المتاحة له، وبالمهام المحددة له في إطار المشروع.

كما أن الإمكانات البشرية والفنية المتاحة للوزارة في هذا المجال محدودة، وهو ما يُعد من الأسباب التي دعت إلى إبرام الاتفاقية مع صوملك باعتبارها الجهة التي تتوفر على الكوادر الفنية والخبرة العملية اللازمة لمتابعة هذا النوع من المشاريع، فضلًا عن أن المشروع ليس الأول من نوعه، ولا يُعد بالضرورة الأكثر تعقيدًا ضمن المشاريع التي تتولى صوملك تشغيل تجهيزاتها ومتابعة صيانتها يقول مصدري.

وعليه، فإن تقييم دور المراقبة الفنية التي اضطلع بها ممثلو الوزارة ينبغي أن يتم في ضوء الاختصاصات المسندة إليهم، والإمكانات المتاحة لهم، وطبيعة المهام التي كُلفوا بها، لا على أساس افتراض مسؤولية فنية شاملة لا تستند بالضرورة إلى توزيع الأدوار المنصوص عليه في الاتفاقية، كما ينبغي التمييز بين المتابعة الإدارية العامة والرقابة الفنية المتخصصة، وتحديد ما إذا كانت الملاحظات الواردة في التقرير تدخل فعلًا ضمن اختصاص كل طرف.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة متأنية للتقرير وملحقه، تميّز بين المسؤولية الإدارية العامة والمسؤولية الفنية والتنفيذية المباشرة، وتستند إلى الاتفاقيات والوثائق ومحاضر التقييم والتعاقد والاستلام، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات التي لا تدعمها أدلة واضحة.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن ما يتعرض له بعض الأطر من اتهامات وتشكيك في نزاهتهم وكفاءتهم وتفانيهم في العمل يثير مخاوف مشروعة من احتمال توظيف هذه القضية لتصفية حسابات أو لتحقيق أهداف لا صلة لها بكشف الحقيقة. وقد ظهرت منذ اليوم الأول منشورات لبعض المدونين تتضمن اتهامات يرى المعنيون أنها تنطوي على افتراءات تستهدف الإساءة إلى سمعتهم، وهو ما يستوجب التحقق من صحتها بدلًا من التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة.

ومع ذلك، يبقى الفيصل في هذه القضية هو الدليل والوثيقة والتحقيق الموضوعي، لا الاتهامات المتداولة ولا الأحكام المسبقة، والقراءات الخاطئة لتقرير اللجنة وثقتنا كبيرة في مؤسسات الدولة وقدرتها على التمييز بين الحق والباطل، وكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات الفعلية بكل إنصاف، بما في ذلك الوقوف على حقيقة ما يُثار بشأن حملات التشهير والابتزاز والتلميع التي يجري التحقيق فيها حاليًا، متى ثبتت الوقائع المنسوبة إلى أطرافها.

إن الهدف الأساسي ينبغي أن يكون الوصول إلى الحقيقة، وإنصاف كل من تثبت براءته، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث، بعيدًا عن أي توظيف للقضية للإساءة إلى الأشخاص أو النيل من سمعتهم دون سند موضوعي.
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

Image
mrtel