لا يمكن أن تمر مغادرة الدكتور الحسين ولد مدو لموقعه الحكومي مرورًا عابرًا؛ فقد كان أحد أبرز الأصوات المدافعة عن حصيلة حكومة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بما تميز به من ثقافة واسعة، وإلمام بالملفات، وقوة في الحجة، وثبات في مواجهة الأسئلة والانتقادات، واعتماد على الأرقام والأدلة في إبراز الإنجازات.
ولم يقتصر عطاؤه على مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، بل امتد إلى قطاع الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، حيث أسهم في تنشيط القطاع وتعزيز حضوره في المشهد الوطني.
والحسين ولد مدو ليس مجرد مسؤول حكومي؛ فهو أستاذ جامعي درّس في عدد من مؤسسات التعليم العالي، وإعلامي عمل في قناة الجزيرة، فضلًا عن كونه أول نقيب للصحفيين الموريتانيين انتُخب بالإجماع، قبل أن يرفض الترشح لمأمورية ثانية، في موقف يعكس، في نظر كثيرين، زهدًا في المناصب واحترامًا لمبدأ التداول.
ويزداد تقدير الرجل حين نجده يجمع بين الكفاءة المهنية والثقافة الواسعة والكاريزما والحضور القوي، وبين الأخلاق الحميدة والتواضع وحسن التعامل.
والحقيقة أنه لم يكن محتاجًا إلى الوظيفة الحكومية لصناعة مستقبله؛ فقد كانت أمامه فرص مهنية واسعة في قناة الجزيرة وغيرها، وكان بإمكانه مواصلة مساره والترقي إلى مواقع أكبر. ولذلك، فإن الحكومة هي التي كسبت بانضمامه إليها كفاءة وطنية متميزة.
وأنا على ثقة بأن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بما عرف عنه من حكمة وحنكة وحسن تقدير للكفاءات الوطنية، لن يفرّط في الاستفادة من خبرة الحسين ولد مدو، وأنه قد يجد له موقعًا آخر يواصل من خلاله خدمة الدولة والوطن.
لكن ما يصعب تعويضه هو الحسين ولد مدو في موقع الناطق الرسمي باسم الحكومة تحديدًا. فالمنصب يمكن أن يشغله غيره، أما الجمع بين الثقافة والحضور والكاريزما وقوة الحجة وسرعة البديهة، مع التواضع والأخلاق الحميدة، فليس مما يتكرر بسهولة.
قد تتغير المناصب، لكن بعض الرجال يتركون بصمتهم في المواقع التي يتولونها. والحسين ولد مدو، في تقديري، من هؤلاء؛ ولذلك فإن مغادرته موقع الناطق الرسمي تمثل خسارة كبيرة يصعب تعويضها.