*بعض مثقفينا وأدعياء الثقافة لا *يرون عملًا نافعًا إلا فتّشوا خلفه عن مؤامرة، ولا يشهدون برًّا إلا استدعوا هاجس السياسة. فإذا علّم أحدٌ جاهلًا، أو أعان محتاجًا، أو خرّج حفاظًا، انصرفوا عن ثمرة عمله إلى محاكمة سريرته؛ كأن الخير لا* *يستحق الاعتراف حتى يُرفق بشهادة تثبت خلوَّ صاحبه من الطموح السياسي!*
*وتلك علة في منهج النظر قبل أن تكون خلافًا في المواقف: فالاحتمال ليس دليلًا، والشك لا يصير برهانًا بكثرة ترديده. من يزعم أن تعليم القرآن ستار للاستغلال، فعليه أن* *يبيّن أين وقع الاستغلال: هل اشترط المعلّم ولاءً؟* *هل رُبط التعليم بموقف سياسي؟ هل حُرم مخالفٌ من الانتفاع؟ أما القفز من صلة القائم على العمل بالسياسة إلى فساد العمل نفسه، فمصادرة تُغني صاحبها عن البحث، ولا تُغني دعواه عن الدليل.*
*وفي إنجازات معهد ورش وتخريج الحفاظ ما يستحق أن يُناقش بميزان الأثر: أبناء تعلّموا، وبنات حفظن،* *وقرى أثمر فيها الجهد القرآني. فمن كانت لديه ملاحظة موثقة فليعرضها؛ *فخدمة كتاب الله لا تعفي مؤسسةً من النقد، لكنها لا تبيح لأحد أن* *يجعل الظنون بديلًا من الوقائع، أو الخصومة حجةً على فساد النيات.*
*ثم هبوا أن وراء هذا الخير طموحًا* *سياسيًا؛ أيُبطل ذلك علمًا *اكتسبه جاهل، أو قرآنًا استقر في*
*صدرحافظ؟* *إن اكتساب التقدير* *بخدمة الناس ليس في ذاته استغلالًا لهم؛ وإنما الاستغلال أن تُشترى* إرادتهم،* *أو تُقيَّد حاجتهم، أو يُجعل حقهم منحةً مشروطة بالطاعة. فيا ليت كل* *سياسي يخرّج حفاظًا أو يعلّم جاهلًا؛ ويا حبذا سياسةٌ يكون طريقها إلى الناس نفعَهم!*
*أما الإشفاق على الخير حتى يُحاصر ويُنفَّر منه، فيشبه القتل بدافع الشفقة: يزعم صاحبه حماية الناس،* *ثم يحرمهم ما ينفعهم. ومن حقنا أن نسأل المشككين: لماذا تضيق* *صدوركم بثمرة العمل وتتسع لتأويل النيات؟ لكننا لا نجعل السؤال حكمًا على ضمائركم؛ إذ لا يستقيم أن نردّ التهمة بتهمة، ثم ندّعي سلامة الحجة.*
*ليكتب الكتّاب ما شاؤوا، وليطنّ ذباب الفيسبوك ما شاء؛ سيبقى الفارق قائمًا بين من يُقيم الدليل ومن يُثير الغبار، وبين من يزرع في الصدور قرآنًا ومن لا يحسن إلا زرع الريبة.* *ومن أراد إسقاط فضلٍ ثابت، فليأتِ ببرهانٍ ثابت؛ فالخير لا يُدان بكابوسٍ في رأس خصمه*