د محمد الأمين شريف أحمد يكتب /؟ دستور جديد لموريتانيا… تحرير المأموريات مقابل تحرير المؤسسات

Image
chinguitel
التاريخ 18 October 2026 آخر تحديث 18 October 2026

قد تضيع على الأمم فرص تاريخية لا لأنها تفتقر إلى الإمكانات، بل لأنها تعجز عن تحويل اللحظات الاستثنائية إلى إصلاحات تبقى آثارها بعد رحيل أصحابها. فهل تكون موريتانيا اليوم أمام فرصة لصياغة دستور جديد، يحرر إرادة الشعب في اختيار رئيسه، ويحرر مؤسسات الدولة من هيمنة السلطة التنفيذية، ويجعل التعليم أساسًا لبناء الإنسان والمستقبل؟

وهل يكفي تحديد المأموريات لضمان الديمقراطية، بينما يظل استقلال القضاء وفعالية الرقابة وتوازن السلطات بحاجة إلى ضمانات أقوى؟

إنها أسئلة تستحق نقاشًا وطنيًا يتجاوز الجدل حول المأمورية الثالثة إلى مشروع دستوري شامل، يعيد بناء العلاقة بين السلطة والمواطن، ويجعل قوة المؤسسات وجودة التعليم أساسًا لاستقرار الدولة وتقدمها.

وفي تقديري، تتيح المرحلة الراهنة، في ظل قيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، فرصة تاريخية لرعاية هذا التحول، بما عُرف عن فخامته من نهج قائم على الحوار والتهدئة والانفتاح.

أولًا: المأموريات الرئاسية… بين حرية الاختيار وضمان التداول

يستند تحديد المأموريات الرئاسية إلى مبررات معتبرة، أبرزها منع احتكار السلطة، وضمان التداول، والحد من استغلال إمكانات الدولة لصالح الحاكم.

لكن هذا التحديد يثير سؤالًا مشروعًا: لماذا يُحرم الشعب من إعادة انتخاب رئيس يراه الأقدر على مواصلة الإصلاح والتنمية؟

يمكن، من الناحية النظرية، الإبقاء على مدة المأمورية خمس سنوات، مع تحرير عدد مرات تجديدها، شريطة ضمان انتخابات نزيهة، وقضاء مستقل، وإدارة محايدة، وإعلام حر، ورقابة فعالة.

فالديمقراطية ليست مجرد تغيير دوري للأشخاص، وإنما قدرة الشعب الفعلية على منح الثقة وسحبها. غير أن حرية الاختيار لا تتحقق بمجرد إتاحة الترشح، بل تتطلب منع احتكار السلطة وضمان تكافؤ الفرص.

ثانيًا: التجارب الدولية… اختلاف الأنظمة ووحدة الضمانات

تمنع الولايات المتحدة انتخاب الرئيس أكثر من مرتين، بموجب التعديل الدستوري الثاني والعشرين لسنة 1951، بينما تحظر فرنسا، منذ مراجعة 2008، أكثر من مأموريتين رئاسيتين متتاليتين.

وفي المقابل، لا تضع بريطانيا وألمانيا سقفًا مماثلًا لعدد مرات تولي رئيس الحكومة منصبه، ما دام يحتفظ بالدعم البرلماني اللازم.

غير أن المقارنة تقتضي التمييز بين النظام البرلماني، الذي يخضع فيه رئيس الحكومة لإمكان سحب الثقة، والأنظمة التي يتمتع فيها الرئيس المنتخب مباشرة بسلطات تنفيذية واسعة.

وقد أكدت لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، في تقريرها لسنة 2018، أهمية تحديد المأموريات الرئاسية في الحد من مخاطر إساءة استعمال السلطة.

والخلاصة أن عدد المأموريات ليس المعيار الوحيد للديمقراطية، لكنه ضمانة مهمة، لا يمكن الاستغناء عنها دون دراسة أثر ذلك على التوازن المؤسسي والمنافسة السياسية.

ثالثًا: لماذا تحتاج موريتانيا إلى دستور جديد؟

صدر دستور 20 يوليو 1991 في سياق الانتقال إلى التعددية السياسية، وخضع لمراجعات مهمة سنوات 2006 و2012 و2017.

ورغم أهمية تلك المراجعات، فإن التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية تبرر اليوم مناقشة إصلاح دستوري شامل، يرتكز على ستة محاور:

1. استقلال القضاء: إعادة تنظيم المجلس الأعلى للقضاء بما يحصنه من التأثير التنفيذي، وضمان الاستقلال المالي والإداري والوظيفي للسلطة القضائية، وحماية القضاة من التدخلات، مع إقرار آليات مناسبة للمساءلة.

2. دسترة الهيئات الرقابية: تحصين استقلال محكمة الحسابات، والمفتشية العامة للدولة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وغيرها من أجهزة الرقابة العليا، إداريًا وماليًا ووظيفيًا، ومنع تدخل السلطة التنفيذية في أعمالها ونتائج تحقيقاتها، وحماية مسؤوليها من العزل التعسفي، وتمكينها من الوصول إلى المعلومات ونشر تقاريرها وإحالة المخالفات إلى القضاء المختص.

3. توازن السلطات ونزاهة الانتخابات: تعزيز صلاحيات البرلمان التشريعية والرقابية، وحقوق المعارضة، واستقلال المؤسسة الانتخابية، وضمان حياد الإدارة والإعلام وتكافؤ الفرص، ومنع توظيف المال العام في المنافسة السياسية.

4. التعليم وبناء الإنسان: منح التعليم مكانة دستورية محورية باعتباره حقًا أساسيًا وأولوية وطنية، مع ضمان مجانيته وإلزاميته في المراحل الأساسية، وجودته وتكافؤ فرص الولوج إليه. ويشمل ذلك استقلال الجامعات، وتشجيع البحث العلمي والابتكار والتكوين المهني، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وتوفير تمويل مستدام للقطاع وآليات مستقلة لتقييم أدائه. فبناء المؤسسات يبدأ ببناء الإنسان القادر على إدارتها ومساءلتها وتطويرها.

5. الحكامة والتنمية الحديثة: دسترة المبادئ الأساسية لحماية المال العام، والشفافية، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والتنمية المستدامة، وحماية البيئة وحقوق الأجيال القادمة.

6. الوحدة الوطنية: ترسيخ المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، وصيانة التنوع الثقافي واللغوي، ومعالجة أسباب التفاوت الاجتماعي.

ولا يعني ذلك إدراج التفاصيل الإدارية والتشريعية كافة في الدستور، بل تحصين المبادئ والضمانات العليا وترك تنظيمها التفصيلي للقوانين.

رابعًا: تحرير المأموريات مقابل تحرير المؤسسات

هنا تكمن الفكرة المركزية للمشروع المقترح:

لماذا لا نناقش عقدًا دستوريًا جديدًا نتحرر فيه من الحد الأقصى للمأموريات الرئاسية، مقابل تحرير القضاء وأجهزة الرقابة والانتخابات من التأثير التنفيذي، وتعزيز استقلال البرلمان وفعالية مساءلته؟

إنها معادلة تقوم على توسيع حرية الشعب في تجديد الثقة، مقابل تضييق قدرة الحاكم على التأثير في المؤسسات التي تراقبه وتحاسبه.

وبذلك يمكن أن تبقى المأمورية محددة بخمس سنوات، دون سقف عددي لتجديدها، في ظل ضمانات صارمة لاستقلال القضاء، وشفافية التمويل السياسي، وحياد الإدارة، ونزاهة الانتخابات، وحرية الإعلام، وفعالية الرقابة البرلمانية.

غير أن هذه الضمانات يجب أن تكون فعلية وقابلة للإنفاذ، لا مجرد نصوص؛ لأن إلغاء حد المأموريات قد يزيد مخاطر احتكار السلطة إذا لم تتوافر منافسة عادلة ومؤسسات مستقلة.

فالمطلوب ليس استبدال ضمانة التداول بوعود إصلاحية، وإنما بناء نظام دستوري يجعل استمرار الرئيس مشروطًا بثقة شعبية حرة، ويجعل تغييره ممكنًا بالفعل.

خامسًا: الدستور القائم وحدود الإصلاح

تواجه هذه الأطروحة إشكالًا قانونيًا لا يجوز تجاهله.

فالمادة 28 من الدستور الموريتاني تحدد المأمورية الرئاسية بخمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة.

وتتضمن المادة 29، ضمن القسم الرئاسي، التزامًا بعدم اتخاذ أو دعم مبادرة لمراجعة الأحكام المتعلقة بمدة المأمورية وشروط تجديدها.

أما المادة 99 فتحصّن مبدأ التداول الديمقراطي على السلطة من المراجعة الدستورية.

ويترتب على ذلك أن إلغاء الحد الأقصى للمأموريات ليس تعديلًا دستوريًا عاديًا متاحًا وفق النص القائم، وأن الاستفتاء الشعبي لا يكفي وحده لتجاوز القيود الدستورية.

كما أن كتابة دستور جديد لا تشكل، بذاتها، وسيلة قانونية مضمونة لتجاوز تلك القيود.

وهنا يبرز التمييز الفقهي بين السلطة التأسيسية الأصلية، المرتبطة بإنشاء نظام دستوري جديد، وسلطة المراجعة الدستورية، المقيدة بالإجراءات والحدود التي يقررها الدستور النافذ.

وعليه، فإن طرح مشروع دستور جديد يحرر عدد المأموريات يظل خيارًا للنقاش السياسي والفكري، لكنه يحتاج إلى دراسة قانونية معمقة ومسار تأسيسي واضح المشروعية، يحترم استمرارية الدولة والحقوق والحريات.

سادسًا: فخامة رئيس الجمهورية… وفرصة تاريخية لتأسيس مرحلة دستورية جديدة

ليست الفرص التاريخية مواعيد ثابتة، وقد تمر على الأمم لحظات مواتية للإصلاح دون أن تحسن استثمارها.

وفي تقديري، يمتلك فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة متميزة لرعاية حوار وطني حول إصلاح دستوري شامل، مستفيدًا من تجربته السياسية ونهجه القائم على التهدئة والانفتاح.

وقد يكون من أبرز ما يمكن أن يتركه فخامته للأجيال القادمة الإسهام في تأسيس نظام دستوري أكثر توازنًا، يرسخ استقلال القضاء، ويحصن الهيئات الرقابية، ويعزز سلطة البرلمان، ويجعل التعليم والتنمية والعدالة والوحدة الوطنية أهدافًا ثابتة للدولة.

وفي إطار هذا المشروع، يمكن عرض تحرير عدد المأموريات للنقاش، إلى جانب بدائل أخرى، منها الإبقاء على تحديدها مع تعزيز المؤسسات، أو تطوير النظام نحو صيغة أكثر برلمانية تسمح باستمرارية القيادة التنفيذية وفق قواعد المسؤولية السياسية.

ولا ينبغي أن يُفصل أي خيار على مقاس شخص أو مرحلة، بل أن يستند إلى توافق وطني واسع ودراسة قانونية تضمن مشروعيته واستدامته.

إن الدور التاريخي الذي يمكن أن يضطلع به فخامة رئيس الجمهورية لا يتمثل في تجاوز القيود الدستورية، وإنما في فتح نقاش وطني مسؤول حول مستقبل النظام السياسي، ضمن ما تسمح به صلاحياته والتزاماته الدستورية.

خاتمة: حين تتحول الفرصة إلى إرث وطني

إن موريتانيا تستحق دستورًا حديثًا لا يكتفي بتنظيم الوصول إلى السلطة، بل يضمن حسن ممارستها، واستقلال من يراقبها، وحقوق من يخضعون لها، ويجعل التعليم الجيد حقًا مضمونًا لكل طفل، أينما وُلد وأيًا كانت ظروف أسرته.

ومن هذا المنطلق، فإن تحرير عدد المأموريات يستحق النقاش ضمن مشروع أوسع لتحرير المؤسسات من التأثير التنفيذي، شريطة ألا يكون إلغاء الحدود الرئاسية سابقًا على الضمانات الديمقراطية، أو مبررًا لتجاوز الشرعية الدستورية.

وقد تكون أمام فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة تاريخية للإسهام في إطلاق هذا المشروع، بما يجعل الإصلاح المؤسسي وبناء الإنسان إرثًا وطنيًا يتجاوز حدود المأموريات والأشخاص.

فالتاريخ لا يخلّد القادة لأنهم بقوا طويلًا في الحكم، وإنما لأنهم أسسوا دولًا قوية بقيت بعدهم.

وإذا كانت الفرص التاريخية لا تتكرر دائمًا، فإن أعظم ما يمكن أن تمنحه هذه المرحلة لموريتانيا هو الانتقال من دولة تتأثر مؤسساتها بقوة الحاكم، إلى دولة يستمد فيها الحاكم قوته من استقلال المؤسسات وثقة الشعب.

وحين يصبح القضاء مستقلًا، والرقابة حرة، والانتخابات نزيهة، والتعليم حقًا مكفولًا بجودة وعدالة، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لجمهورية تستحق أن نورثها لأبنائنا.

د محمد الأمين شريف أحمد
 

Image
mrtel