إن من الإنصاف أن نقف وقفة تقدير وإشادة بكل جهد وطني يسهم في إصلاح المجتمع، وتعزيز قيمه، وتوجيه طاقاته نحو ما ينفع الناس ويخدم المصلحة العامة. ومن هذا المنطلق، نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على التوجهات الرامية إلى تنظيم الفضاء الرقمي، وتعزيز المسؤولية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وترسيخ احترام القانون والأخلاق في هذا المجال الحيوي.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وأضحت منصاتها مؤثرة في الرأي العام، وموجهة لسلوك الأفراد، ولا سيما فئة الشباب. وبينما يمكن لهذه الوسائل أن تكون منابر للعلم والمعرفة والتوعية والتكافل، فإنها قد تتحول، في غياب المسؤولية والضوابط، إلى ساحات للتجريح والإساءة وإضاعة الوقت ونشر المحتوى الذي لا يخدم المجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية تنظيم هذا الفضاء، ليس بهدف التضييق على حرية التعبير المسؤولة، وإنما من أجل حمايتها من التجاوزات، وضمان ممارسة الحقوق في إطار القانون، وصيانة كرامة الأفراد، والمحافظة على قيم المجتمع وثوابته.
الشرطة السيبرانية وتنظيم الفضاء الرقمي
إن تعزيز الجهود الرامية إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية، وحماية المواطنين من الإساءة والابتزاز والتشهير، يمثل خطوة مهمة في اتجاه بناء فضاء رقمي أكثر أمناً ومسؤولية.
فالشرطة السيبرانية، بما تضطلع به من مهام في حدود اختصاصها القانوني، يمكن أن تسهم في الحد من التجاوزات، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، وترسيخ مبدأ أن العالم الافتراضي ليس خارج نطاق القانون، وأن حرية التعبير لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين أو الإساءة إليهم.
والأمل أن تتواصل هذه الجهود في إطار من احترام القانون، وصون الحقوق والحريات، وتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية.
تحوّل إيجابي في محتوى بعض المؤثرين
ومن المؤشرات الإيجابية التي تستحق التوقف عندها، ما بدأ يلاحظه بعض المتابعين من تحوّل في طبيعة المحتوى الذي يقدمه عدد من المؤثرين وصنّاع البث المباشر.
فبعد أن كانت بعض البثوث تستنزف الوقت في المهاترات والخلافات والمحتويات محدودة الفائدة، أصبحنا نشاهد بثوثاً تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية، وتدعو إلى مساعدة المحتاجين، وتشجع على الإنفاق، وتساهم في جمع التبرعات، وتعزز روح التكافل والتضامن بين المواطنين.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لوسائل التواصل الاجتماعي؛ حين تتحول من مجرد وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الشهرة إلى أداة لخدمة الإنسان، وتخفيف معاناة الفقراء، وإغاثة الملهوفين، وإدخال السرور على الأسر المتعففة.
إن بثاً واحداً يساهم في علاج مريض، أو إعانة أسرة محتاجة، أو توفير لقمة عيش لمتعفف، قد تكون له قيمة إنسانية أكبر من آلاف الساعات التي تُستهلك في الخلافات والمشاحنات.
وهذا لا يعني أن التحول أصبح شاملاً أو أن جميع المؤثرين قد غيّروا مسارهم، ولكنه مؤشر إيجابي يستحق التشجيع، متى كان قائماً على الصدق والشفافية واحترام كرامة المستفيدين.
من صناعة الجدل إلى صناعة الأمل
إن المؤثر الحقيقي ليس من يمتلك أكبر عدد من المتابعين فحسب، ولا من يستطيع إثارة الجدل وجذب الأنظار، وإنما من يوظف تأثيره في خدمة مجتمعه، ونشر الوعي، وتعزيز الأخلاق، والدعوة إلى الخير.
فالمتابعون أمانة، والكلمة مسؤولية، والمنصة الإعلامية وسيلة يمكن أن تكون باباً للأجر والخير، كما يمكن أن تكون سبباً في الإساءة والضرر.
ولذلك، فإن انتقال بعض المؤثرين من المحتوى السلبي إلى المبادرات الإنسانية، ومن الخصومات إلى المصالحات، ومن إثارة الخلافات إلى نشر ثقافة التعاون والتكافل، يمثل مكسباً للمجتمع بأسره.
كما أن تشجيع هذا النوع من المحتوى، وتكريم أصحابه، وإبراز المبادرات الناجحة، من شأنه أن يخلق منافسة إيجابية بين صنّاع المحتوى، يكون معيار النجاح فيها مقدار النفع الذي يقدمونه للناس، لا حجم الضجيج الذي يثيرونه.
الإصلاح الحقيقي هو ما تظهر ثماره في حياة الناس
فخامة الرئيس،
إن قيمة السياسات العامة لا تُقاس بالنوايا وحدها، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين. ومن هنا، فإن كل تحول إيجابي نحو محتوى أكثر فائدة ومسؤولية، وكل مبادرة تعزز التكافل والتضامن، وكل خطوة تحد من الإساءة وتحمي حقوق المواطنين، تستحق التقدير والتشجيع.
إن موريتانيا بحاجة إلى فضاء رقمي يعكس أصالة مجتمعها، وكرم شعبها، وتقاليده الراسخة في التعاون والتآزر، ويمنح الشباب فرصة لتوظيف مواهبهم في الابتكار والإبداع وخدمة الوطن.
كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، بل تشمل الأسر، والعلماء، والمثقفين، والإعلاميين، والمؤثرين، ومستخدمي هذه المنصات جميعاً.
فبالتوعية والحوار، وتطبيق القانون بعدالة، واحترام الحريات، وتشجيع المبادرات الإيجابية، يمكن أن نجعل من وسائل التواصل الاجتماعي رافعة للتنمية الاجتماعية والثقافية والإنسانية.
كلمة أخيرة
شكراً فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على كل جهد يسعى إلى ترسيخ دولة القانون، وتعزيز المسؤولية، وحماية المجتمع، وتوجيه الطاقات نحو البناء والإصلاح.
إننا نأمل أن تتواصل هذه الجهود، وأن تتعزز ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصبح منصاتنا الرقمية منابر للخير والمعرفة، وساحات للتضامن والتكافل، ومساحات تجمع الموريتانيين على ما ينفعهم، بدلاً مما يفرقهم.
فالأوطان لا تُبنى بالمشروعات المادية وحدها، بل تُبنى أيضاً بالعقول الواعية، والأخلاق الفاضلة، والقلوب المتراحمة، والأيادي الممتدة بالعون والمساعدة.
وحين تتحول الكلمة إلى مبادرة، والمتابعة إلى مسؤولية، والتأثير إلى عطاء، نكون أمام تحول يستحق الإشادة؛ لأن خير الناس أنفعهم للناس.
حفظ الله موريتانيا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها لما فيه خير البلاد والعباد، وجعلنا جميعاً مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأعاننا على خدمة وطننا ومجتمعنا بما نستطيع.
موريتانيا تستحق الأفضل، وشبابها يستحق أن تكون منصاته الرقمية جسوراً للأمل، ومنابر للعطاء، ومساحات لصناعة مستقبل أكثر إشراقاً..