الحقيقة /نواكشوط / في خضم الاستعدادات الجارية لعقد النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، الذي طال انتظاره، أرى أنه يمثل فرصة مهمة لإعادة النظر في علاقة الدولة بمواطنيها في الخارج، والانتقال بها من التواصل المناسباتي إلى شراكة حقيقية ومستدامة.
أولاً: الجاليات ثروة بشرية واستثمارية
تُعدّ الجاليات الموريتانية في الخارج خزاناً للكفاءات والخبرات ورؤوس الأموال. فهي تضم أطباء ومهندسين وأكاديميين وخبراء في مختلف المجالات، إلى جانب مستثمرين قادرين على إطلاق مشاريع تنموية تساهم في خلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد الوطني ونقل الخبرات والتجارب الحديثة إلى السوق الموريتانية.
كما يمكن لهذه الجاليات أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز حضور موريتانيا في بلدان الإقامة، والدفاع عن مصالحها الوطنية، وبناء علاقات اقتصادية وثقافية تخدم البلاد.
ثانياً: اختلالات تستدعي المعالجة
رغم هذه الإمكانات الكبيرة، ما تزال الاستفادة من طاقات الجاليات محدودة بفعل مجموعة من الإشكالات، أبرزها غياب إحصاء دقيق للكفاءات والقدرات الاستثمارية، وضعف التواصل بين البعثات الدبلوماسية وأفراد الجاليات، وما يُلاحظ أحياناً من انتقائية في التعامل وتداخل الاعتبارات السياسية والشخصية مع العمل المؤسسي.
كما تعاني الجاليات في بلدان عديدة من غياب أطر تنظيمية جامعة، نتيجة الخلافات السياسية والتجاذبات بين بعض النخب، في ظل حاجة واضحة إلى دور إيجابي للدولة في تسهيل الحوار وتشجيع التمثيل العادل والمستقل.
وقد أدى ضعف التنسيق مع الكفاءات الموريتانية في الخارج إلى ابتعاد عدد منها عن أنشطة السفارات والقنصليات، واختزال علاقتها بها في إنجاز المعاملات الإدارية، وهو ما يحرم الوطن من الاستفادة من خبرات ثمينة.
ثالثاً: مقترحات عملية لإنجاح المنتدى
حتى لا يكون المنتدى مجرد لقاء بروتوكولي، أقترح أن يخرج بتوصيات عملية، من أبرزها:
1. تشجيع استثمارات أبناء الجاليات
اعتماد إطار واضح يمنح أبناء الجاليات الراغبين في الاستثمار في موريتانيا صفة المستثمر، ويتيح لهم الاستفادة من التسهيلات والحوافز المناسبة، وفق ضوابط قانونية واضحة.
ولِمَ لا يُفتح فرع للشباك الموحد في باريس، على سبيل المثال، لتسهيل إجراءات تأسيس الشركات وتوجيه المستثمرين، والتنسيق مع المؤسسات المالية والمصرفية بشأن فتح الحسابات وتحويل الأموال عبر القنوات القانونية المعتمدة؟
2. توفير فرص التدريب للطلاب الموريتانيين في الخارج
إطلاق برامج تدريب سنوية بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والمؤسسات التعليمية التي يدرس فيها الطلاب الموريتانيون بالخارج، بما يتيح لهم اكتساب خبرات مهنية داخل المؤسسات العمومية والقطاع الخاص في موريتانيا، ويعزز ارتباطهم بسوق العمل الوطني.
كما أقترح تشجيعهم على إنجاز بحوث التخرج والأطروحات العلمية، كلٌّ حسب تخصصه، حول الإشكالات الوطنية التي تحتاج إلى الدراسة والبحث، بما يربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات التنمية.
3. تسهيل عودة العائلات واستقرارها في الوطن
إشراك العائلات الموريتانية في الخارج في برامج الإسكان الوطنية، وتنظيم منتديات عقارية في بلدان المهجر، بالتعاون مع شركة إسكان والقطاع الخاص، لتعريف أبناء الجاليات بالفرص المتاحة ومساعدتهم على امتلاك مساكن أو بنائها ضمن مشاريع تناسب احتياجاتهم وإمكاناتهم.
كما ينبغي دراسة إعفاءات وتسهيلات ضريبية وجمركية للسيارات الشخصية والأمتعة المنزلية للعائلات التي تقرر العودة أو تسعى إلى الاستقرار في الوطن، وفق ضوابط واضحة.
4. حماية الهوية الوطنية للأجيال الجديدة
إن الحفاظ على ارتباط أبناء الجاليات بوطنهم ولغتهم وثقافتهم يتطلب مبادرات تعليمية ملموسة. فلماذا لا نعمل على تأسيس مدرسة موريتانية في باريس، على غرار المدارس التي أنشأتها بعض الدول لأبناء جالياتها، مثل الجزائر والعراق، مع الاستفادة من تجربة المدرسة الفرنسية في نواكشوط؟
ويمكن، إلى جانب ذلك، إنشاء برامج تعليمية وثقافية في بلدان المهجر لتعريف الأجيال الجديدة باللغة العربية والتاريخ والثقافة الموريتانية، وتعزيز ارتباطها بهويتها الوطنية.
5. الاستفادة من كفاءات أبناء الجاليات في البعثات الدبلوماسية
فتح مسارات توظيف شفافة أمام أبناء الجاليات المؤهلين للعمل في السفارات والقنصليات، بما يسمح بالاستفادة من إتقانهم لغات بلدان الإقامة ومعرفتهم بثقافاتها وأنظمتها الإدارية والاقتصادية.
فمن غير المنطقي إغفال كفاءات موريتانية مقيمة في هذه البلدان، تمتلك الخبرة اللغوية والثقافية اللازمة، في حين يمكن أن تُستقدم كفاءات لا تتقن لغة البلد المضيف ولا تملك معرفة كافية بخصوصياته الثقافية والاجتماعية. وينبغي أن تقوم هذه المسارات على الكفاءة والحاجة الفعلية، مع احترام القوانين المنظمة للعمل الدبلوماسي والقنصلي.
6. تعزيز التمثيل السياسي للجاليات
وضع آليات تضمن تمثيلاً عادلاً وفعالاً للموريتانيين في الخارج، بما في ذلك دراسة سبل تمكينهم من انتخاب ممثليهم في البرلمان، وفق الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها.
ويقتضي ذلك معالجة الصعوبات التقنية واللوجستية التي حالت دون تمكّن عدد من أبناء الجاليات من التصويت في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، من خلال توسيع مراكز الاقتراع، ودراسة إمكانية إنشاء صناديق اقتراع متنقلة، أو اعتماد التصويت الرقمي إذا توافرت الضمانات القانونية والأمنية اللازمة لنزاهته وسريته وموثوقيته.
7. بناء شراكة مؤسسية دائمة مع الجاليات
إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات والمستثمرين الموريتانيين في الخارج، ووضع آليات منتظمة للتشاور والتنسيق بين الجاليات والبعثات الدبلوماسية والجهات الحكومية.
كما أقترح تنظيم منتديات دورية للاستثمار في بلدان المهجر، تجمع المستثمرين ورجال الأعمال والمسؤولين الموريتانيين، وتعرض الفرص المتاحة في البلاد، وتبحث سبل تشجيع عودة الكفاءات ونقل خبراتها إلى الوطن.
8. إبرام اتفاقيات ثنائية لحماية حقوق الجاليات الموريتانية
من الضروري أن تعمل الدولة الموريتانية على تعزيز التعاون الثنائي مع الدول التي تقيم فيها جاليات كبيرة من مواطنيها، من خلال التفاوض على اتفاقيات تراعي أوضاعهم القانونية والاجتماعية، وتحمي حقوقهم، وتيسر معاملاتهم الإدارية، وتعزز التنسيق بشأن القضايا التي تهمهم.
وتُظهر التجارب الدولية أهمية هذه الاتفاقيات في تنظيم أوضاع الجاليات وتيسير بعض الإجراءات المرتبطة بالإقامة والعمل والحماية الاجتماعية وغيرها، بحسب طبيعة كل اتفاق ومضمونه.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من التجربتين الجزائرية والإيفوارية في علاقتهما بفرنسا، ودراسة الاتفاقيات والترتيبات الثنائية التي تنظّم أوضاع مواطنيهما، لاستخلاص ما يمكن أن يناسب خصوصية الجالية الموريتانية واحتياجاتها.
إن توقيع اتفاقيات من هذا النوع من شأنه أن يعزز حضور الدولة إلى جانب مواطنيها في الخارج، ويمنح قضاياهم إطاراً مؤسسياً للتفاوض والمتابعة، بدلاً من تركهم يواجهون بمفردهم مختلف التعقيدات الإدارية والقانونية.
ختاماً
إن نجاح منتدى الجاليات لا يُقاس بعدد المشاركين أو بحجم الخطابات، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في السياسات والممارسات، وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج.
إن الجاليات الموريتانية ليست مجرد تجمعات للمواطنين خارج الوطن، بل شريك استراتيجي في التنمية والاستثمار والدبلوماسية. ومن ثم، فإن المطلوب هو الانتقال من الاحتفاء بإمكاناتها إلى وضع سياسات عملية تتيح الاستفادة منها، ومن التواصل المناسباتي إلى شراكة مؤسسية مستدامة.
نأمل أن يشكل هذا المنتدى بداية لمسار جديد، تُترجم فيه التطلعات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وتُمنح فيه الكفاءات فرصتها بعيداً عن الإقصاء والتجاذبات الضيقة، خدمةً لموريتانيا ومستقبلها.
المهندس الجيلي ولد سيدي محمد