«إلى أين نسير؟»… سؤالٌ يفرض نفسه اليوم، لا باعتباره سؤالاً للقلق أو التشكيك، وإنما باعتباره سؤالاً وطنياً مشروعاً، يختصر حاجة الموريتانيين إلى معرفة الطريق الذي تسلكه بلادهم، وإلى أي مدى يمكن أن تقودنا الخيارات التي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية.
ولعل الإجابة لا تُستخلص من شعار عابر، ولا من موقف سياسي ظرفي، وإنما من خطاب متكامل ظل فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يؤكد مضامينه في مناسبات متعددة: التشاور، والتهدئة السياسية، والتلاحم والتراحم، وبناء دولة المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، وتشييد البنية التحتية، والنهوض بالصحة والتعليم.
لقد جعل فخامته من التشاور والحوار نهجاً في إدارة الشأن العام، انطلاقاً من قناعة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بمنطق الإقصاء، وإنما بتوسيع دائرة المشاركة والاستماع إلى مختلف الفاعلين. وقد أكد في مناسبات سابقة أن التشاور والحوار هما السبيل الأمثل لتدبير الشأن العام والتعاطي مع القضايا الوطنية الكبرى.
ومن هنا، فإن التهدئة السياسية ليست مجرد غياب للصراع، بل هي خيار لبناء بيئة وطنية تسمح بالاختلاف دون خصومة، وبالنقد دون تجريح، وبالتنافس السياسي دون أن يتحول إلى صراع يستهلك طاقة المجتمع ويعطل مسيرة الدولة. وقد وصف فخامة الرئيس التهدئة السياسية بين الشركاء في الوطن بأنها قناعة راسخة وخيار ثابت ومسؤولية وطنية، داعياً إلى التنافس في خدمة البلد لا إلى الصراع للإضرار به.
أما التلاحم والتراحم، فهما أعمق من مجرد عبارات جميلة؛ إنهما ضرورة في مجتمع متنوع، لا يمكن أن ينهض إلا إذا أدرك أبناؤه أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من مؤسسات ومشاريع، وإنما أيضاً بما تمتلكه من رصيد من الثقة والتضامن والانتماء المشترك.
وإذا كان السؤال: إلى أين نسير؟ فإن جزءاً كبيراً من الإجابة يوجد في الإنسان الموريتاني نفسه؛ في المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤنا، وفي المستشفى الذي يتلقى فيه المواطن علاجه، وفي الطريق والماء والكهرباء والسكن والخدمات التي تشكل تفاصيل الحياة اليومية.
ولهذا اكتسبت البنية التحتية الصحية والتعليمية مكانة محورية في العمل الحكومي؛ فالحكومة أعلنت أن بناء رأس مال بشري مؤهل يمر عبر تطوير الصحة والتعليم، وتحسين البنى التحتية والتجهيزات والموارد البشرية. كما شهدت نواكشوط خلال المرحلة الأولى من برنامج تطوير المدينة بناء وتأهيل 1500 قاعة دراسية، وبناء وترميم وتجهيز 28 مركزاً صحياً، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالمياه وتصريف مياه الأمطار.
وهنا تتضح الصورة أكثر: الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر السياسة وحدها، ولا عبر الاقتصاد وحده، وإنما عبر بناء الإنسان والدولة والمجتمع في آن واحد.
فالسياسة حين تستقر وتتحول إلى تشاور، تصبح أداة للبناء.
والاختلاف حين تحكمه التهدئة، يصبح مصدر إثراء لا عامل انقسام.
والتلاحم حين يقترن بالتراحم، يتحول إلى قوة وطنية.
والاستثمار في التعليم والصحة، حين يرافقه تطوير للبنية التحتية، يصبح استثماراً في أجيال المستقبل.
ولذلك، فإن «إلى أين نسير؟» ينبغي ألا يكون سؤالاً عن الاتجاه فقط، بل سؤالاً عن مسؤوليتنا جميعاً في صناعة الوجهة. فالدولة مطالبة بمواصلة الإصلاح والتنفيذ، والمجتمع مطالب بتعزيز التماسك، والنخب السياسية مطالبة بجعل الاختلاف وسيلة للتطوير لا سبباً للتعطيل، والمواطن مطالب بأن يكون شريكاً في البناء لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
لقد اختار فخامة رئيس الجمهورية، وفق ما تعكسه خطاباته وممارساته السياسية، أن يجعل الاستقرار والانفتاح والتشاور والتنمية مسارات متوازية؛ وهي رؤية تقوم على أن موريتانيا التي نريدها غداً لا يمكن أن تُبنى بالصراع، وإنما بالثقة، ولا بالتجاذب العقيم، وإنما بالحوار، ولا بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل والمشاريع والنتائج.
إلى أين نسير؟
نسير، في جوهر الرؤية المعلنة، نحو موريتانيا أكثر استقراراً وتماسكاً، وأكثر قدرة على الاستثمار في إنسانها، وبناء مؤسساتها، وتطوير بنيتها التحتية، وتحسين صحتها وتعليمها، مع الحفاظ على فضاء سياسي يتسع للاختلاف ويجمعه التشاور.
ويبقى التحدي الحقيقي هو أن يتحول هذا الاتجاه إلى إنجاز متراكم، ومؤسسات أقوى، وخدمات أفضل، ومواطن أكثر اطمئناناً إلى مستقبله.
فالأوطان لا تُبنى بما يُقال عنها فقط، وإنما بما يُنجز فيها… وما يترسخ فيها من ثقة، وتلاحم، وتراحم، وعمل مشترك من أجل المستقبل.
وقد تميزت السنوات السبع الماضية بأنها اتسمت بالانفتاح السياسي والتهدئة، إلى جانب العمل على ترسيخ الحكامة وإيجاد حلول مستديمة للإشكالات البنيوية والاستجابة لانشغالات المواطنين.
مدير إدارة الرقابة في سلطة تنظيم النقل الطرقي