لأسباب شخصية، لم أتمكن من التواجد في الميدان خلال الأيام الماضية، لكنني أجد من الأهمية بمكان المشاركة في النقاش العام وإبداء رأي يتسم بالموضوعية والمسؤولية.
إن الحديث عن مسألة المأمورية الثالثة لا ينبغي أن يُطرح كمسألة أشخاص، بل من منظور المصلحة الوطنية العليا والضوابط الدستورية. والتطرق لأي تمديد أو استمرار للعهدة الرئاسية، حتى وإن كان لفترة تقنية محددة، يجب أن يخضع دائماً للتوافق الوطني والأطر القانونية المرعية، وذلك بهدف ضمان الاستقرار وصيانة الأوراش التنموية الكبرى التي دخلت مراحل متقدمة من التنفيذ.
إن القراءة المنصفة للواقع تتطلب تقييم التجربة بالنظر إلى حجم التحديات التي واجهت البلد. فمنذ عام 2019، تجلت إرادة التغيير في التوجه نحو تبني خيار الكفاءات والمشهد التكنوقراطي من خلال حكومة المهندس إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، في محاولة لتجاوز المحاصصة التقليدية، وما تبع ذلك من محطات لتطوير الأداء الإداري؛ بدءاً بحكومة المهندس محمد ولد بلال (2020-2024)، وصولاً إلى تشكيلة حكومة المختار ولد أجاي في يونيو 2024، والتي جاءت لتعزيز الديناميكية التنفيذية وضخ دماء جديدة.
غير أن تقييم التجربة يتطلب أيضاً الفصل بين التوجيه السياسي والإداري العام، وبين آليات التنفيذ الميداني؛ فرئيس الدولة يضع الرؤية ويحدد الأولويات الاستراتيجية، بينما تقع مسؤولية الإنجاز المباشر على الأجهزة التنفيذية والقطاعات الوزارية. ولا يخفى أن المسار التنموي واجه عثرات مرجعها الإرباك الإداري، والبطء في معالجة الملفات، والضعف في استغلال بعض الكفاءات الوطنية في الوقت المناسب—وهي أمور أثبتت الواقعة الميدانية أنها أثرت سلباً على وتيرة الإنجاز.
إن التماسك الوطني يتطلب منا النظرة الشاملة التي توازن بين النقد الموجه لقصور الجهاز التنفيذي، وبين تثمين الإنجازات المحققة في مجالات البنية التحتية، والبرامج الاجتماعية، وإصلاح الإدارة.
المسؤولية الإدارية والمالية هي مسؤولية فردية ومؤسسية يتحملها كل مسؤول في قطاعه، ولا استقامة لمنطق يحمل رأس السلطة وحده تبعات التقصير في آليات التنفيذ التفصيلية. ومن هذا المنطلق العقلاني، أرى أن صيانة المكاسب الوطنية واستكمال المشاريع الهيكلية يقتضيان إتاحة الأجل الزمني الكافي والمستقر لإتمام هذه الورشات.