في مثل هذه الأحداث، تقتضي المسؤولية أن نتعامل مع الواقع كما هو، وأن نترك للجهات المختصة مهمة تحديد الأسباب والمسؤوليات، بعيداً عن التأويلات والانطباعات والتوصيفات الجاهزة. فالتحقيق ليس لإثبات رواية مسبقة، وإنما لكشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات على أساسها.
والحقيقة أن النظام كان في غنى عن هذا الحادث، وأن الظرف العام لم يكن بحاجة إلى ما يضيف هامشاً جديداً للجدل والتأويل. وكنا، في صف الدولة، أحوج ما نكون إلى أن تأتي هذه الأيام بما يعزز ما تحقق، لا بما يفتح مساحات جديدة للنقاش. غير أن السياسة الرصينة لا تقوم على تجاهل الواقع أو تجميله، وإنما على حسن التعامل معه وتحويل ما يطرأ من أزمات، مهما كانت أسبابها، إلى فرص للتصحيح وتعزيز الثقة.
ومن هذه الزاوية، فإن زيارة رئيس الجمهورية لموقع الحادث، وتصريحه المسؤول والمطمئن، واستحداث لجنة وزارية للمتابعة، وتشكيل لجنة فنية للتحقيق في أسبابه واقتراح الإجراءات الكفيلة بمنع تكراره، كلها خطوات في محلها. كما أن الجهد المضني الذي بذلته، مشكورة، فرق شركة الكهرباء لإعادة تزويد العاصمة بالتيار يستحق التقدير و الإشادة .
ومع أهمية هذه الخطوات، يبقى الأهم أن تظل الحقيقة، بكل تفاصيلها، هي نقطة الانطلاق. ومن ثم، فإن استباق عمل اللجنة بتقديم تفسيرات أو أسباب للحادث، أياً كانت طبيعتها، أو بإلباس الوقائع توصيفات جاهزة، من قبيل «القوة القاهرة»، لا يخدم الغاية من التحقيق. فتحديد الأسباب ليس شأن التأويلات والانطباعات، وإنما هو صميم مهمة لجنة التحقيق، التي ينبغي أن تُترك لها كامل المساحة للوصول إلى الحقيقة، بعيداً عن أي استنتاج مسبق.
ومهما تكن النتائج، فإن قيمة التحقيق الحقيقية ستظهر في ما يترتب عليه من قرارات حاسمة وجريئة، وربما غير متوقعة. فمثل هذه القرارات، حين تأتي في وقتها وبقدر ما تقتضيه الحقيقة، لا تعالج الخلل فحسب، وإنما تساعد أيضاً على احتواء تداعيات الحادث والتخفيف من آثاره، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تكتفي بتجاوز الأزمات، بل تستخلص منها ما يلزم من دروس وتصحيحات.
فالمطلوب في النهاية ليس فقط أن يتجاوز الناس آثار ما حدث، وإنما أن تكون له نهاية مختلفة: حقيقة واضحة، ومسؤوليات محددة، وتصحيحات حقيقية، وقرارات تجعل تكرار مثل هذا الحادث أمراً أصعب بكثيرة.
محمد لحظانه