هناك مرافق لا تشبه غيرها؛ فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل شريان تتوقف عليه خدمات ومصالح كثيرة: الماء، والاتصالات، والصناعة، والطب، والتجارة، وغيرها حتى لا اقول كل شيئ . ولذلك، فإن إدارة مثل هذه المرافق تستحق عناية خاصة في الإسناد والتسيير، بما يضمن التخصص والكفاءة والخبرة والجاهزية.
ومن هنا، هل يكفي في إدارة هذه المؤسسات توفر الإرادة، أم أن طبيعتها تفرض أن يكون الشخص المناسب في المكان المناسب؟ وهل تُراعى فعلًا حساسية هذه المرافق عند اختيار من يتولى مسؤولياتها؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بعد اندلاع حريقين في محطتين للكهرباء خلال يومين متتاليين، وما ترتب عليهما من انقطاعات واسعة وأضرار طالت حياة المواطنين والنشاط الاقتصادي.
قد يكون ما حدث قضاءً وقدرًا، لكن ألا يستحق هذا التتابع تحقيقًا شفافًا ونزيهًا وعاجلًا يجيب عن أسئلة واضحة: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ وهل كان بالإمكان تفاديه؟
قد تكشف التحقيقات عن قوة قاهرة، أو خطأ، أو تقصير، أو خلل في الصيانة والتسيير. لكن أليس من حق الرأي العام معرفة الحقيقة كاملة؟ وإذا ثبتت مسؤولية أحد، ألا تصبح المساءلة والإجراءات المناسبة أمرًا لا مفر منه؟
والخوف، كل الخوف، أن يكون وراء الأمر إهمال أو فساد أو إثراء غير مشروع على حساب الصيانة والسلامة. إنه احتمال لا يجوز أن يتحول إلى اتهام، كما لا ينبغي أن يُستبعد قبل أن يقول التحقيق كلمته.
ومن الصعب أن يكون فخامة رئيس الجمهورية مطمئنًا إلى ما آلت إليه الأمور، وأحسب أنه لن يقبل بمرور هذه المحنة دون معرفة أسبابها وتحديد المسؤوليات واتخاذ ما يلزم. ولعل هذه المناسبة تذكرنا أيضًا، بصورة عملية، بما ظل يؤكد عليه فخامته من ضرورة تقوية مؤسسات الدولة ورفع قدرتها على أداء أدوارها بكفاءة واقتدار.
فالمؤسسة القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من تجهيزات، وإنما أيضًا بمن يديرها، وكيف تُدار، ومدى صلابة نظمها وآليات الرقابة فيها.
ويبقى السؤال الأهم: هل آن الأوان لأن تصبح الكفاءة والتخصص والخبرة هي المعيار الأول في إسناد وإدارة مرافقنا الحيوية؟ وهل يمكن أن نضمن سلامتها وفعاليتها دون أن تحاط بالعناية التي تفرضها حساسيتها؟
لعل قيمة هذه المحنة ألا نكتفي بمعرفة ما حدث، بل أن تدفعنا إلى مراجعة طريقة إسناد وتسيير المؤسسات التي لا تحتمل الخطأ، وأن تكون خطوة أخرى في طريق بناء مؤسسات دولة أكثر قوة وكفاءة وقدرة على خدمة المواطن وحماية مصالحه
محمد لحظانه