ليست المحاظر في موريتانيا مجرد مؤسسات تعليمية عابرة، ولا فضاءات تقليدية انقضى زمانها، بل هي الوعاء الذي حفظ الدين، وصان اللغة، وشكّل الوجدان الوطني، وصاغ الشخصية العلمية والثقافية لهذا البلد عبر قرون. إنها رمز الهوية، ومرجعية الأمة الدينية، والمدرسة التي تخرج فيها العلماء والقضاة والمربون، ومنها مرَّ – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – عدد كبير من الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات.
ومن المؤسف أن يخرج بين الحين والآخر من يتعمد الإساءة إلى هذه المؤسسات العريقة، باللمز تارة، وبالتشكيك في جدواها تارة أخرى، وكأن التاريخ يمكن أن يُمحى بخطاب عابر، أو أن الحضارة تُقاس بشعارات إعلامية لا بثمرات الواقع.
إن الإساءة إلى المحاظر ليست مجرد نقد لمؤسسة تعليمية، وإنما مساس برمز من رموز الأمة، واستخفاف بإرث علمي ظل صمام أمان للمجتمع في عقيدته وأخلاقه ووحدته. فهذه المحاظر لم تكن يوماً عائقاً أمام العلم، بل كانت أساساً متيناً يبني العقل، ويغرس الانضباط، ويؤسس لمنهجية التفكير، وهو ما يفسر نجاح كثير من خريجيها في الطب والهندسة والقانون والإدارة والاقتصاد وسائر التخصصات الحديثة.
أما الدعاية التي تزعم أن خريجي المحاظر محرومون من العلوم الحيوية، فقد كذبها الواقع قبل أن تكذبها الأرقام. فنتائج الامتحانات الوطنية والمسابقات المختلفة تشهد، عاماً بعد عام، بحضور لافت لأبناء المحاظر وتميزهم، وهو حضور لا يصنعه الادعاء، وإنما تصنعه الجدية والانضباط والرصيد العلمي المتين.
إن المؤسسات الراسخة لا تحتاج إلى من يختلق لها الأمجاد، فشواهدها حية، وآثارها ناطقة، ورجالها حاضرون في كل ميادين البناء والإصلاح. ومن أراد الحكم المنصف فليحتكم إلى الواقع، لا إلى الأحكام المسبقة، وإلى الإنجاز، لا إلى الدعاية المغرضة.
لقد آن الأوان لأن يتوقف هذا الإسفاف، وأن تُصان مؤسساتنا الشرعية والعلمية من حملات التشويه الرخيصة. فالاختلاف في الرأي حق، أما النيل من ثوابت المجتمع ورموزه العلمية فلا يخدم إلا الجهل والانقسام.
ستبقى المحاظر شامخة، لأنها متجذرة في ضمير الأمة، وستظل تخرج العلماء والمفكرين والكفاءات، وتثبت في كل مناسبة أن الأصالة لا تناقض المعاصرة، وأن من رسخت جذوره في العلم الشرعي كان أقدر على الإبداع في مختلف ميادين الحياة.