في خضم الجدل الذي رافق قضية النائبتين، برزت حقيقة تستحق التوقف عندها والتأمل في دلالاتها العميقة، وهي أن الدولة الموريتانية ماضية في ترسيخ نموذج يقوم على احترام المؤسسات، وصيانة مبدأ الفصل بين السلطات، وتغليب الحكمة على الانفعال، والعفو على روح الانتقام.
فالدول الراسخة لا تُدار بردود الأفعال، ولا تُبنى على منطق الغلبة والثأر، وإنما تُشيَّد أركانها على سيادة القانون واحترام الاختصاصات الدستورية لكل سلطة من السلطات. ومن هذا المنطلق، ظل القضاء صاحب الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بتحديد المسؤوليات والبت في الوقائع والنزاعات، باعتباره سلطة مستقلة لا سلطان عليها إلا القانون.
وفي المقابل، فإن ما صدر من مبادرات أو توجهات تحمل روح العفو والتسامح لا ينبغي أن يُفهم خارج سياقه السياسي والإنساني الرفيع؛ فالعفو في فلسفة الدول الحديثة ليس تنازلاً عن هيبة الدولة، بل هو أحد مظاهر قوتها وثقتها بنفسها. وهو رسالة مفادها أن الدولة قادرة على أن تجمع بين تطبيق القانون وإشاعة مناخ من التهدئة والوئام الوطني.
لقد أثبت فخامة رئيس الجمهورية، من خلال نهجه العام، أنه يؤمن بأن بناء الأوطان لا يكون بتوسيع دوائر الخصومة، وإنما بتقليصها، وأن تعزيز الوحدة الوطنية يمر عبر مد الجسور لا عبر تعميق الشروخ. ومن هنا تكتسب قيم التسامح والمصالحة مكانتها بوصفها أدوات بناء واستقرار وليست مجرد شعارات سياسية عابرة.
إن المتأمل في المشهد يدرك أن الأهم من تفاصيل القضية ذاتها هو ما كشفت عنه من رسوخ لمبدأ الفصل بين السلطات، واحترام للمسار القانوني، وحرص على أن تبقى مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة في معالجة الخلافات والنزاعات. وهي رسالة بالغة الأهمية في محيط إقليمي لا تزال بعض دوله تعاني من تغول السلطات وتداخل الاختصاصات.
وإذا كانت القوانين تحفظ للدولة هيبتها، فإن العفو يحفظ للمجتمع تماسكه، وإذا كان القضاء يحقق العدالة، فإن التسامح يفتح أبواب الألفة ويغلق منافذ الأحقاد. وعندما تجتمع العدالة مع الرحمة، والحزم مع الحكمة، فإن الوطن هو الرابح الأكبر.
وهكذا تمضي موريتانيا، بقيادتها ومؤسساتها، في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات؛ دولة تُحترم فيها الأحكام والإجراءات، ويُصان فيها استقلال القضاء، وتُشاع فيها قيم التسامح والعفو، باعتبارها من أنبل القيم الإنسانية وأعظمها أثراً في استقرار المجتمعات وتقدم الأمم.