أبى بن معاذ يكتب/حين تتغيّر المواقع وتبقى المقامات.. قراءة في أبعاد التشكيل الحكومي الأخير

Image
chinguitel
التاريخ 12 October 2026 آخر تحديث 12 October 2026

بين إنصاف الرجال وحكمة القرار، وبين رصيد التجربة ومقتضيات التجديد.
ليست التشكيلات الحكومية في منطق الدولة مجرد حركة للأسماء بين مقاعد السلطة، ولا هي بالضرورة إعلان عن أفول رجال وبزوغ آخرين؛ بل هي محطات سياسية تتقاطع عندها اعتبارات الاستمرارية والتجديد، وتتجلى من خلالها طبيعة العلاقة بين مقتضيات المرحلة، ومتطلبات الفعل التنفيذي، وسلطة القيادة في تقدير الأولويات وترتيب الأدوات.
ومن هذا المنظور، فإن قراءة التشكيل الحكومي الأخير، وما صاحبه من مغادرة شخصيات كبيرة ذات حضور وازن وتجربة معتبرة، تستدعي مقاربة سياسية تتجاوز الانطباعات العابرة، وتتحرر من ثنائية التمجيد والتجريح، لتنطلق من حقيقتين متكاملتين: أن للرجال أقدارًا لا تختزلها المناصب، وأن للقيادة تقديرات لا تستوعبها دائمًا القراءات المتعجلة.
فأما المغادرون، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعضهم يمثل رصيدًا من الخبرة السياسية والإدارية، وأن مغادرة موقع المسؤولية لا تعني بالضرورة سقوط المكانة أو انحسار القيمة. فالدولة التي تحترم تاريخها المؤسسي لا تختزل رجالها في مراسيم تعيينهم وإعفائهم، وإنما تقرأ مساراتهم في سياق ما تحملوه من أعباء، وما راكموه من تجارب، وما أسهموا به في خدمة الشأن العام.
وليس من مقتضيات الوفاء أن نجعل الرجال فوق النقد، كما ليس من مقتضيات التجديد أن نجرّدهم من فضائلهم؛ فالإنصاف السياسي فضيلة لا تكتمل إلا حين نستطيع تقدير الأشخاص دون الارتهان لهم، وتقييم التجارب دون التنكر لأصحابها.
وأما صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، فإن موقعه الدستوري، وما راكمه من تجربة في تدبير الشأن العام، يضعان قراراته المتعلقة بتشكيل الفريق الحكومي في سياق أوسع من مجرد إسناد الحقائب أو سحبها؛ سياق تتداخل فيه ضرورات الانسجام التنفيذي، ومتطلبات تجديد الأداء، وحسابات الاستقرار، واستحقاقات المشروع الإصلاحي الذي يتولى مسؤولية قيادته.
ومن هنا، فإن القراءة السياسية المتزنة تقتضي التمييز بين تقدير الأشخاص وتقدير المواقع، وبين الاعتراف بالكفاءة وملاءمة المرحلة، وبين احترام التجربة وضرورة تطوير أدوات الحكم.
فقد يكون المسؤول جديرًا بالتقدير، دون أن يكون استمرارُه في الموقع ذاته ضرورة دائمة؛ وقد يكون التغيير مبررًا بمنطق المرحلة، دون أن يحمل في طياته إدانة لمن شملهم. ذلك أن إدارة الدولة ليست وفاءً جامدًا للأسماء، كما أنها ليست قطيعة اعتباطية مع التجارب؛ وإنما هي فن المواءمة بين الموارد البشرية والأولويات السياسية والمؤسسية.
ولعل أعمق ما في هذا التشكيل أنه يثير سؤالًا يتجاوز هوية المغادرين والوافدين: هل نحن أمام تعديل في الأشخاص فحسب، أم أمام إعادة ضبط للعلاقة بين القرار السياسي وفاعلية الإنجاز التنفيذي؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يستأثر باهتمام النخبة والرأي العام؛ لأن العبرة في الحكومات ليست بضخامة الأسماء التي تضمها، ولا بثقل الشخصيات التي تغادرها، وإنما بقدرتها على تحويل الخيارات الكبرى إلى سياسات ناجعة، والالتزامات المعلنة إلى نتائج تقاس في حياة المواطنين.
وإذا كان من حق القيادة أن تختار أدواتها التنفيذية، فإن من حق الوطن أن ينتظر من تلك الأدوات كفاءة تتناسب مع جسامة التحديات. فلا ينبغي أن تطغى اعتبارات الثقة على مقتضيات الخبرة، ولا أن تتحول التجربة إلى حصانة من التجديد؛ إذ إن التوازن بين الثقة والكفاءة يمثل أحد أهم شروط الحكامة الرشيدة.
والمسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة ليست يسيرة؛ فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وضغوط المعيشة، واختلالات بعض الخدمات الأساسية، تفرض الانتقال من إدارة الملفات إلى صناعة الحلول، ومن الاطمئنان إلى سلامة النوايا إلى الاحتكام لصرامة النتائج.
وفي المحصلة، فإن الدولة القوية لا تقاس بقدرتها على تغيير رجالها فحسب، بل بقدرتها على صيانة مكانتهم، واستثمار خبراتهم، وتجديد مؤسساتها، وإخضاع اختياراتها لميزان المصلحة العامة.
وعليه، فلا موجب لأن يتحول تقدير المغادرين إلى تشكيك في خيارات صاحب الفخامة، ولا لأن يتحول احترام القرار الرئاسي إلى انتقاص من قامات خدمت الدولة وتحملت أعباءها.
إنها معادلة دقيقة، لا يحسن قراءتها إلا من يدرك أن الدولة أوسع من الحكومات، وأن الوطن أكبر من المواقع، وأن الرجال لا تصنع أقدارهم الكراسي، كما أن القيادة لا تختزل مسؤوليتها في إبقاء الأشخاص أو استبدالهم.
فليكن للمغادرين من الوفاء ما يليق بمقاماتهم، وللقادمين من الثقة ما تستلزمه مسؤولياتهم، ولصاحب الفخامة من التقدير ما يقتضيه موقعه وتجربته، وللرأي العام من حق المساءلة ما تفرضه المواطنة الواعية.
ففي ميزان الدولة لا ينبغي أن يكون التغيير خصومة مع الماضي، ولا أن يكون الوفاء عائقًا أمام المستقبل؛ وإنما الرشد السياسي أن نحفظ للرجال أقدارهم، وللمؤسسات هيبتها، وللقرار سيادته، وللوطن مصلحته العليا.
ذلك أن المناصب عابرة، والمقامات باقية، والتاريخ لا يخلّد من جلسوا على كراسي السلطة، بقدر ما ينصف من تركوا في مسيرة الأوطان أثرًا يستحق البقاء.

Image
mrtel