ليست الأمم أرقاماً في جداول النمو، ولا مصانع تُقام على عجل. الأمم ذاكرةٌ تُورَّث، وروحٌ تُصان، وقصةٌ تُروى للأجيال. ومن أراد أن يستشرف مستقبل موريتانيا، فلا يفتش في باطن الأرض عن نفط أو غاز فحسب، بل ليصغِ إلى خرير المحيط، وإلى همس الرمال، وإلى ترتيل المحاظر في جنح الليل.
ومن هذه الرؤية يمكن قراءة موريتانيا اليوم: بلد تتسع أمامه فرص اقتصادية جديدة، لكنه يحمل في داخله ثروات أقدم من آبار الغاز. ثروات صنعتها المعرفة، وحفظتها الذاكرة، وشهدت عليها المدن القديمة، وتناقلتها الأجيال في الشعر والموسيقى والحرف والمعارف، واحتضنتها الصحراء والسواحل والمجالات البحرية.
فالثروة لا تختصر فيما يُستخرج من باطن الأرض أو البحر؛ فهناك ثروات أخرى لا تُقاس بالبراميل والأطنان: الإنسان، والمعرفة، والثقافة، والتراث، والطبيعة. وهي مقدرات راكمتها أجيال متعاقبة، ويمكن أن تصبح جزءاً من اقتصاد المستقبل إذا انتقلنا من مجرد الاحتفاء بها إلى صونها وإدارتها، وإتاحة المجال لها لإنتاج قيمة جديدة.
وفي مقدمة هذا الرصيد تأتي المحظرة، التي ظلت قروناً مدرسةً للعلم وحافظةً للمعرفة في البيئة الصحراوية. فيها دُرِّس القرآن وعلومه، والفقه والحديث واللغة، وحُفظ الشعر والأدب، ونشأ علماء وفقهاء ولغويون وأدباء. ولم تكن المحظرة مجرد مكان للتلقي، بل كانت نظاماً مجتمعياً لنقل المعرفة بين الأجيال، وجزءاً أصيلاً من تكوين الشخصية الثقافية والعلمية للمجتمع الموريتاني.
ولذلك فإن إدراج المحظرة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2023 يتجاوز معنى التكريم؛ فهو اعتراف بقيمة تجربة معرفية ارتبطت بتاريخ المجتمع وذاكرته.
لكن الاعتراف الدولي لا يكفي. فقيمة المحظرة الحقيقية تبدأ حين تتحول من موضوع للفخر إلى مصدر للإلهام. وما تحتاجه اليوم هو التوثيق والبحث والرقمنة، وربط تراثها العلمي بوسائل التعليم الحديثة، حتى تبقى المعرفة التي حملتها قادرة على مخاطبة أجيال جديدة.
وإذا كانت المحظرة تحفظ ذاكرة العلم، فإن المدن القديمة تحفظ ذاكرة المكان. فشنقيط ووادان وتيشيت وولاتة لم تكن مجرد محطات في الصحراء، بل مراكز للتجارة والعلم والثقافة، نشأت على طرق القوافل، وربطت البلاد بفضاءات واسعة من إفريقيا والعالم الإسلامي. وقد أُدرجت المدن الأربع ضمن قائمة التراث العالمي عام 1996.
غير أن المدينة التاريخية لا تحيا بالحجارة وحدها؛ فهي تحتاج إلى سكانها، وحرفها، ومكتباتها، وأسواقها، وذاكرتها اليومية. ومن هنا فإن حماية هذه المدن لا ينبغي أن تنفصل عن التنمية المحلية؛ فالسياحة الثقافية، ودعم الحرف، وإحياء المكتبات، وتحسين الخدمات، وترميم المباني، وإشراك السكان، كلها وسائل لحماية التراث من أن يتحول إلى صورة جميلة بلا حياة.
فالترميم يحفظ البناء، لكن التنمية تحفظ الحياة.
ومن ذاكرة المكان إلى ذاكرة المكتوب، تأتي المخطوطات بوصفها وجهاً آخر لهذا الرصيد الحضاري. ففي خزائن الأسر والمكتبات الخاصة صفحات تحمل جوانب من تاريخ العلم والفكر في البلاد، وتكشف عن رصيد معرفي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الفهرسة والدراسة.
غير أن المخطوط ثروة هشة؛ ولذلك لا يكفي حفظه في خزانة، بل يحتاج إلى الترميم والتوثيق والرقمنة، حتى يصبح متاحاً للباحثين والجامعات والأجيال الجديدة، وتُصان أصوله من التلف ومخاطر التداول المتكرر.
وإذا كانت المحظرة والمخطوط والمدن القديمة تحفظ جوانب من الذاكرة، فإن الثقافة تحفظ روحها الحية. فهي أوسع من أن تُختزل في المحظرة أو المخطوط أو المدينة؛ إنها الشعر والموسيقى والحكاية والخط العربي والحرف والمعارف المتوارثة، وهي جميعاً مكونات حية للهوية. وإذا أُحسن التعامل معها، فإنها تستطيع أن تتجاوز حدود المناسبات والمهرجانات، لتدخل مجالات التعليم والصناعات الإبداعية والسياحة والاقتصاد الرقمي.
وهنا يأتي الشباب بوصفه الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل. فهو ليس متلقياً للتراث فحسب، بل يستطيع أن يكون شريكاً في تجديده. فالحرفة التقليدية يمكن أن تصبح مشروعاً، والشعر محتوى رقمياً، والموسيقى صناعة ثقافية، والمعرفة المتوارثة مجالاً للبحث والتعليم. فالتراث الذي يجد طريقه إلى الجيل الجديد لا يبقى حبيس الماضي، بل يكتسب فرصة أخرى للحياة.
ولا تكتمل صورة الثروة الموريتانية من دون الطبيعة، فهي بدورها رصيد وطني يجمع بين القيمة البيئية والاقتصادية. فالصحراء والسواحل والمجال البحري والمحميات والتنوع البيئي مقدرات وطنية لا تقل قيمة عن الموارد المستخرجة. ويأتي منتزه حوض آرغين الوطني مثالاً بارزاً على هذه الثروة، وقد أُدرج على قائمة التراث العالمي عام 1989.
وهنا يصبح الحفاظ على البيئة جزءاً من التفكير في التنمية، لا عائقاً أمامها. فالسياحة البيئية، والبحث العلمي، والصيد المستدام، والاستغلال الرشيد للموارد، يمكن أن تفتح مجالات اقتصادية جديدة، شرط أن تُدار بمنطق الاستدامة لا بمنطق الاستنزاف.
وبعد هذه الثروات الممتدة في الإنسان والمكان والمعرفة والطبيعة، يأتي الغاز بوصفه أحدث حلقات هذه القصة. ففي أبريل 2025 شُحنت أول حمولة من الغاز الطبيعي المسال من المرحلة الأولى لمشروع «السلحفاة آحميم الكبير» المشترك بين موريتانيا والسنغال، لتدخل البلاد مرحلة اقتصادية جديدة، محمّلة بفرص وتحديات في آن واحد.
لكن الغاز، مهما بلغت أهميته، يظل مورداً قابلاً للنضوب. أما الإنسان والمعرفة والثقافة والطبيعة، فتزداد قيمتها كلما أُحسن الاستثمار فيها.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ماذا ستفعل موريتانيا بعائدات الغاز؟
ربما لا تكمن الإجابة في حجم العائدات وحده، وإنما في الأثر الذي ستتركه. فإذا أسهمت في تعليم أفضل، وبحث علمي أقوى، وحفظ للمخطوطات، وحماية للمدن التاريخية، وتأهيل للشباب، ودعم للصناعات الثقافية، وتنمية للسياحة الثقافية والبيئية، وصيانة للموارد الطبيعية، فإن الغاز يمكن أن يصبح أكثر من مورد للتصدير؛ يمكن أن يصبح أداة لبناء مستقبل أكثر تنوعاً واستدامة.
وعند هذه النقطة تتضح الصلة بين الثروات القديمة والموارد الجديدة. فقد حافظت المحظرة على المعرفة، وحملت المخطوطات ذاكرة العلم، وشهدت المدن القديمة على تاريخ القوافل والثقافة، وحفظت الثقافة ملامح الهوية، بينما ظلت الطبيعة جزءاً من شخصية المكان.
وهذه كلها ليست بقايا من الماضي، بل مقدرات يمكن أن تشارك في صناعة المستقبل.
لذلك لا تحتاج موريتانيا إلى الاختيار بين التراث والتنمية، ولا بين الذاكرة والحداثة. ما تحتاجه هو أن تجعل المستقبل امتداداً واعياً لماضيها، وأن تنظر إلى مقدراتها التراثية والثقافية والطبيعية باعتبارها جزءاً من ثروتها الوطنية.
وعندها يصبح الانتقال من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز انتقالاً في الوسائل، لا قطيعة مع القيم.
فالضوء الحقيقي للغاز ليس ما يضيء منصات البحر وحدها، وإنما ما يضيء مدرسة، ويحفظ مخطوطاً، ويعيد الحياة إلى مدينة تاريخية، ويفتح أمام شاب باباً للعمل، ويحمي محمية طبيعية، ويمنح الثقافة الموريتانية فرصة جديدة للوصول إلى العالم.
تلك هي الثروة التي تستحق أن تُدار: إنسان يعرف ماضيه، ويحسن إدارة حاضره، ويملك القدرة على صناعة مستقبله.
انواكشوط، في 30 أغسطس 2026
أحمدو محمد أحمد إياهي
رئيس تحرير موقع وكالة وطني للأنباء المستقلة