د. محمد عالي الهاشمي يكتب /؟ حكمة القيادة وهندسة المجد العسكري

Image
chinguitel
التاريخ 07 September 2026 آخر تحديث 07 September 2026

ليست كل قيادة منصبا، ولا كل من جلس على كرسي القيادة قائدا، فالمنصب تمنحه الدولة، أما القيادة الحقيقية فيمنحها الرجال والتاريخ والإنجاز. ومن هذه الحقيقة تنبع قيمة الحديث عن الفريق محمد فال ولد الرايس، قائد الأركان العامة للجيوش، بوصفه نموذجا لقائد لم يتعامل مع مسؤوليته باعتبارها تشريفا، بل نظر إليها باعتبارها أمانة وطنية وتكليفا تاريخيا ومشروعا مؤسسيا للمستقبل.
القائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأوامر التي يصدرها، بل بعدد الرجال الذين يصنعهم، وبقوة المؤسسة التي يتركها وراءه. وقد أدرك الفريق محمد فال أن الجيش القوي لا يبنى بالسلاح وحده، وإنما يبنى قبل ذلك بالعقيدة والانضباط والاحتراف والروح المعنوية والعدالة والقدوة. فجعل من بناء المؤسسة أولوية، ومن الانضباط ثقافة، ومن الاحتراف نهجا، ومن الإنسان العسكري محورا أساسيا في معادلة القوة.
وحين يتولى قائد مسؤولية مؤسسة عسكرية، فإن أول اختبار له ليس في البيانات والخطب، وإنما في قدرته على أن يجعل المؤسسة تعمل وفق النظام والوضوح والمسؤولية. والإنجاز الأكبر للقائد ليس أن يجعل الناس يتحدثون عنه، بل أن يجعلهم يتحدثون عن المؤسسة التي بناها. وهنا تبرز تجربته كتجربة قائد عمل على تعزيز مكانة الجيش، وترسيخ الانضباط داخله، وتطوير آليات عمله، وإعادة الاعتبار إلى الجندي باعتباره أساس القوة، لا رقما في كشف، بل إنسانا يحمل شرف الزي وكرامة المؤسسة وأمانة الدفاع عن الوطن.
إن هيبة الجيش لا تصنع بالصوت المرتفع ولا بالمظاهر، بل تبنى عندما يعرف كل فرد أن هناك نظاما يطبق، وعدالة تحترم، ومسؤولية تحاسب، وكفاءة تكافأ، وواجبا لا يترك. وهي معادلة صعبة لا يتقنها إلا من جمع بين الحزم حين يكون الحزم ضرورة، والحكمة حين تكون الحكمة مطلوبة، والانضباط باعتباره قاعدة لا استثناء فيها. ومن هنا فإن استعادة قيمة الجندي ليست مسألة معنوية فحسب، بل هي استثمار مباشر في قوة الدولة نفسها.
والقائد الكبير لا يكتفي بأن يسأل ماذا أنجزت المؤسسة، بل يسأل أيضا ماذا صنعت المؤسسة من رجال، لأن الجيوش العظيمة لا تستمر بوجود قادة عظماء إلى الأبد، وإنما بامتلاكها مدرسة قيادية قادرة على إنتاج القادة. ولهذا فإن من يرفع مستوى التدريب، ويهتم بالتكوين، ويشجع التعليم العسكري، ويغرس روح المسؤولية، لا يبني قوة للحاضر فقط، بل يبني رأس مال بشريا للمستقبل، وهذا ما ميز قيادة الفريق محمد فال، حيث تحولت قيادة الأركان إلى ورشة عمل دؤوبة، عينها على التفاصيل وعقلها على الاستراتيجية، من تطوير المنظومة الصحية واقتناء الأجهزة المتطورة، إلى الانفتاح الحكيم على الأشقاء والشركاء، إلى النزول للميدان وتفقد الوحدات المتقدمة والاستماع لنبض الجندي على الحدود.
وهناك فرق كبير بين قائد يقول لجنوده انضبطوا، وقائد يجعلهم يقولون نحن نريد أن نكون منضبطين لأن قائدنا كذلك، فالقدوة هي أقصر الطرق إلى النفوس، والاحترام أقوى من الخوف. وقد جمع الفريق بين هيبة الحضور وتواضع الإنسان، وبين صرامة الواجب ورحمة التعامل، وبين شجاعة القرار الهادئة التي لا تعرف التهور، وحكمة البصيرة التي تستشرف المخاطر قبل وقوعها. فالشجاعة العسكرية بلا حكمة قد تتحول إلى تهور، والحزم بلا عدالة يتحول إلى قسوة، أما القيادة الناضجة فهي القدرة على الجمع بين المتناقضات: حزم بلا قسوة، ورحمة بلا ضعف، وهيبة بلا تكبر، وشجاعة بلا تهور.
إن التاريخ لا يسأل القائد عن عدد الاجتماعات التي عقدها، ولا عن عدد الصور التي التقطت إلى جواره، بل يسأل سؤالا واحدا: ماذا ترك؟ هل ترك مؤسسة أقوى، ورجالا أكثر كفاءة، وجيشا أكثر انضباطا، وجنودا أكثر فخرا بانتمائهم؟ والقادة يرحلون والمناصب تتغير والرتب تتبدل، لكن المؤسسات التي  تبنى بإخلاص تبقى.

وقد اختار الفريق محمد فال ولد الرايس طريقا وعرا لكنه مجيد: طريق بناء المؤسسة لا بناء الصورة، وطريق خدمة الجنود لا استغلالهم، ليبقى أثره في عقيدة الجيش ونظامه ورجاله، قائدا يقاس أثره بما يبنيه، لا بما يقال عنه، ومؤسسة تزداد قوة وهيبة واستعدادا للمستقبل، ووطنا أكثر أمنا واستقرارا.

Image
mrtel