لم يعد التعليم العالي في موريتانيا اليوم مجرد مؤسسات محدودة تستقبل أعدادًا من الطلبة، بل أصبح ورشًا وطنيًا كبيرًا يعكس تحولًا عميقًا في رؤية الدولة لبناء الإنسان، وصناعة الكفاءات القادرة على قيادة التنمية ومواكبة متطلبات العصر.
فخلال السنوات الأخيرة، شهد قطاع التعليم العالي تطورًا لافتًا تمثل في توسع شبكة الجامعات والمعاهد العليا، وتنويع التخصصات الأكاديمية والمهنية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب الموريتاني لدراسة مختلف العلوم التي يحتاجها الوطن واقتصاده.
وتجسد هذا التحول في بروز مؤسسات جامعية وعلمية متعددة، من أبرزها:
جامعة نواكشوط، الصرح الجامعي الأكبر في البلاد، والتي تضم تخصصات واسعة تشمل العلوم والتقنيات (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، علوم الحاسوب، علوم الأرض)، والعلوم القانونية والاقتصادية، والآداب واللغات والعلوم الإنسانية، والطب والعلوم الصحية، والعلوم الاجتماعية.
جامعة العلوم الإسلامية بالعيون، التي تشكل منارة أكاديمية متخصصة في العلوم الشرعية، والفقه والقانون، واللغة العربية، والدراسات الإسلامية والإنسانية.
جامعة نواذيبو، التي تمثل إضافة نوعية للعرض الجامعي الوطني، وتواكب حاجات التنمية في المنطقة من خلال تخصصات مرتبطة بالاقتصاد البحري، والإدارة، والعلوم والتقنيات.
كما عززت المعاهد العليا المتخصصة هذا المسار من خلال تكوين كفاءات مهنية في مجالات حيوية، من بينها:
• المعهد العالي للتكنولوجيا الرقمية، الذي يفتح المجال أمام تخصصات المستقبل مثل تطوير البرمجيات، والشبكات، والأنظمة المعلوماتية، وأمن المعلومات، والوسائط المتعددة.
• المعهد العالي للمحاسبة وإدارة المؤسسات، الذي يكوّن أطرًا في المحاسبة، والمالية، والتسيير، والإدارة، ونظم المعلومات المرتبطة بالأعمال.
• المعهد العالي للتعليم التكنولوجي بروصو، الذي يركز على الهندسة الزراعية، والتنمية الرعوية، والصناعات الغذائية، والتكوينات المرتبطة بالتنمية الريفية.
• المعهد العالي للهندسة الصناعية، الذي يعنى بالهندسة الصناعية، والابتكار، وتقنيات الإنتاج.
• المدرسة الوطنية العليا لعلوم الصحة، التي تسهم في تكوين الأطر الصحية والطبية المساعدة.
• المعهد العالي المهني للغات والترجمة والترجمة الفورية، الذي يوفر تكوينات متخصصة في اللغات والترجمة والاتصال.
إن هذا التنوع في مؤسسات التعليم العالي يعكس إدراكًا وطنيًا متزايدًا بأن بناء الدول الحديثة يبدأ من بناء الجامعات، وتطوير البحث العلمي، وتأهيل الشباب بالمعارف والمهارات التي يحتاجها عالم اليوم؛ من الرقمنة والذكاء الاصطناعي، إلى الهندسة والطاقة، والاقتصاد والصحة والزراعة.
لقد أصبحت موريتانيا اليوم تمتلك قاعدة جامعية ومعرفية واسعة كانت قبل سنوات قليلة طموحًا بعيدًا، وأصبح الطالب الموريتاني أمام خيارات متعددة داخل وطنه، بدل أن يكون البحث عن التكوين النوعي مرتبطًا دائمًا بالسفر إلى الخارج.
وبقدر ما يدعو هذا التحول الكبير إلى الفخر والاعتزاز، فإنه يضع أمامنا مسؤولية وطنية جديدة تتمثل في مواصلة الاهتمام بتشغيل خريجي هذه المؤسسات، وفتح آفاق أوسع أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في بناء الوطن، حتى تكتمل حلقة الاستثمار في الإنسان من التكوين إلى الإنتاج والعطاء.
كما أن هذه الثورة التعليمية تستحق مواكبة إعلامية تليق بحجمها، من خلال تسليط الضوء على التحولات الكبرى التي يعرفها قطاع التعليم العالي، والتعريف بالفرص التي توفرها الجامعات والمعاهد الوطنية، وإبراز قصص النجاح والكفاءات التي يصنعها هذا المسار.
د محمد الأمين شريف أحمد