أحمد ولد محمد ولد الدوه يكتب /؟ سبع سنوات.. والإنسان في قلب الدولة

Image
chinguitel
التاريخ 01 August 2026 آخر تحديث 01 August 2026

هناك حكام يشيدون طرقًا وجسورًا ومبانٍ شاهقة، وهناك حكام يبنون أثرًا في النفوس قبل أن يتركوه في الخرسانة، وبين الأثرين مسافة شاسعة؛ فالبناء قد يشيخ، أما الشعور بالإنصاف فيبقى حيًا في ذاكرة الشعوب، ينتقل من جيل إلى آخر، تمامًا كما تنتقل الحكايات التي تبدأ بعبارة "هنا تذكرتنا الدولة لأول مرة."

أما حين نتحدث عن رئيس بدأ ببناء الإنسان قبل ترصيص الحجر، وشيد بالخرسانة ماعجز عنه كافة أسلافه، فإننا نصبح أمام حالة استثنائية.

سبع سنوات؛ ليست زمنًا طويلًا في أعمار الدول، لكنها تكفي لاكتشاف الوجهة التي تسير إليها السلطة؛ فالسياسات تكشف في الموازنات، وفي ترتيب الأولويات، وفي أسماء الذين يطرق القرار أبوابهم أولًا.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة الموريتانية خلال هذه السنوات السبع، أن السؤال الاجتماعي خرج من الهامش إلى متن القرار، ولم يعد الفقر موضوعًا موسميًا، ولم تعد الهشاشة مفردة تستدعى عند الأزمات.

أصبح الإنسان حاضرًا في تفاصيل السياسات العامة، من التحويلات النقدية إلى توسيع الحماية الاجتماعية، ومن برامج النفاذ إلى الخدمات الأساسية إلى دعم الفئات ذات الدخل المحدود، وهي خيارات تعكس توجهًا أعلنته الدولة في برامجها وموازناتها المتعاقبة.

سبع سنوات؛ جعلت آدوابه تتحدث بلغة مختلفة، فالقرية التي كانت تنتظر زيارة نادرة لمسؤول، أصبحت تنتظر مشروعًا؛ والقرى التي اعتادت أن تكون خارج خرائط الخدمات، دخلت تدريجيًا إلى دائرة التخطيط، عبر برامج تستهدف الماء والكهرباء والتعليم والصحة والطرق.

قد يختلف الناس في تقييم حجم ما تحقق، غير أن اتجاه البوصلة ظل واضحًا؛ الاقتراب من الأماكن التي ابتعدت عنها الدولة طويلًا.

في السياسة، يخطئ كثيرون حين يظنون أن العدالة الاجتماعية تُصنع بالشعارات، والحقيقة أن العدالة تبدأ عندما تقرر الدولة أن المال العام يحمل وظيفة أخلاقية، وأن الميزانية وثيقة سياسية قبل أن تكون جدولًا للأرقام.

وعندما تتجه الاعتمادات نحو الفئات الهشة، وتتوسع برامج الدعم، وتُمنح الأولوية للخدمات الأساسية، فإن الرسالة تصبح أكثر بلاغة من أي خطاب.

سبع سنوات؛ حملت معها فكرة أخرى، أقل صخبًا وأكثر عمقًا؛ أن الاستقرار يولد من اتساع دائرة الرضا؛ فالمواطن الذي يجد مدرسة لأبنائه، ومركزًا صحيًا قريبًا، وماءً صالحًا للشرب، وكهرباء تصل إلى منزله، ينظر إلى الدولة بعين تختلف عن عين من لا يرى منها إلا اللافتات الرسمية.

لهذا، فإن الحديث عن البعد الإنساني في الحكم الحالي يتعلق بفلسفة إدارة الشأن العام، فالدولة التي تجعل الإنسان محورًا للسياسات، تعيد تعريف القوة بطريقة مختلفة؛ قوة تُقاس بقدرتها على تقليص الفوارق، وتخفيف الهشاشة، وتوسيع الأمل.

سبع سنوات؛ شهدت كذلك حضورًا متكررًا لمفردات مثل الإنصاف، والتكافل، والحماية الاجتماعية، في الخطاب الرسمي، يقابله توسع في البرامج الاجتماعية التي استهدفت شرائح واسعة من المواطنين.

 ليس المطلوب من قارئ منصف أن يزعم اكتمال المشروع، فالمشروعات الوطنية الكبرى لا تكمتل في عقد واحد، لكنه من غير المنصف ولا الموضوعي  أيضًا تجاهل التحول الذي جعل الملف الاجتماعي يحتل موقعًا متقدمًا في السياسات العمومية.

ولأن السياسة تختبر في لحظات القوة أكثر مما تُختبر في لحظات الضعف، فإن قيمة أي تجربة تقاس بفدرتها على تذكر من لا يملكون وسيلة للضغط، ولا منبرًا للصوت، ولا حضورًا في دوائر النفوذ؛ هؤلاء هم الامتحان الحقيقي لأي سلطة، وهم المعيار الذي تقاس به المسافة بين الدولة والمجتمع.

سبع سنوات؛ تقول إن بناء الإنسان قد يكون أبطأ من بناء الطريق، لكنه أبقى أثرًا؛ فالطريق يخدم جيلًا أو جيلين، أما الكرامة فتؤسس لوطن يرى كل مواطن فيه نفسه جزءًا من الحكاية.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للتجربة؛ أن الدولة كلما اقتربت من الإنسان، ابتعدت عن الظلم، وكلما ضاقت المسافة بين القرار والمواطن، اتسعت مساحة الثقة؛ وعندما تصبح كرامة الإنسان بندًا دائمًا في جدول الأولويات، يغدو الحكم أقرب إلى رسالة منه إلى مجرد إدارة للسلطة.

Image
mrtel