لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد لقاء عابر، بل شكل مناسبة لتقديم قراءة رسمية لأهم القضايا التي تشغل الرأي العام، ولتوضيح توجهات الدولة خلال المرحلة المقبلة، وقد جاء في ظرف إقليمي ودولي دقيق، تتقاطع فيه التحديات الأمنية مع الاقتصادية مشكلة أولوية في تطلعات المواطنين من حيث تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الحكامة الرشيدة.
وقد اتسم المؤتمر بالانفتاح على أسئلة الصحفيين في ملفات متعددة -حسب البعض- وقد شملت هذه الأسئلة الاقتصاد، ومحاربة الفساد، والحوار السياسي، إضافة إلى قضايا التنمية والخدمات الأساسية ... إلخ
وقد ركز الخطاب الرئاسي على التأكيد على اسمراره في تنفيذ البرامج التنموية، مع اعترافه بأن التحديات القائمة لا تزال تتطلب مزيدًا من الجهد والعمل الدؤوب.
أكد الرئيس في رد على سؤال متعلق بملف مكافحة الفساد، أن الدولة لن تتهاون مع أي تجاوز، وأن القضاء هو الجهة المخولة بالفصل في الاتهامات، وأن النانون المعمول به يحمي المبلغين عن أي فساد، موضحا حرصه على احترام مبدأ سيادة القانون وقرينة البراءة، كما شديد على ضرورة حماية المال العام وتعزيز الشفافية.
وفي الجانب الأمني؛ جدد الرئيس التأكيد على أن الأمن والاستقرار يمثلان الركيزة الأساسية للتنمية، مشيرًا إلى أن موريتانيا استطاعت، رغم الاضطرابات التي تعرفها منطقة الساحل، الحفاظ على مستوى عالٍ من الاستقرار، وهو مكسب يتطلب اليقظة المستمرة وتضافر جهود جميع المؤسسات.
أما في الشأن السياسي فقد حملت تصريحات السيد الرئيس تأكيدا على احترام الدستور وعدم الانشغال في الوقت الحاضر بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مانحا الأولوية لاستكمال تنفيذ البرنامج الذي انتخب على أساسه، وهو ما يعزز منطق استمرارية المؤسسات وتغليب العمل على الجدل السياسي.
ولما كانت المؤتمرات الصحفية للرؤساء من شأنها أن تمثل إحدى أدوات التواصل الديمقراطي مع الرأي العام، حيث تتيح للمواطنين الاطلاع على مواقف السلطة التنفيذية من بعض الأمور المطروحة للنقاش في الساحة السياسية بصورة مباشرة، وتمنح لسائل الإعلام فرصة ثمينة لمساءلة المسؤول الأول في الدولة حول مختلف القضايا الوطنية، فإنها بكل تأكيد تفتح المجال للسؤال الأهم قبل غيره من الأسئلة الأخرى من منطق؛ المهم فالأهم.
إن أهم "سؤال لم يطرح" هو سؤال التعليم؛ واقعه، وإشكالية مناهجه، وبنيته، وأسسه، والاستراتجيات التي يتبناها النظام للرفع من واقعه، وكيف يتعامل مع البدائل الأهلية التي سدت الفراغ الذي أحدثه تقصير الأنظمة السابقة ولم يزل يمد بظلاله على الواقع اليوم، تلك البدائل هي التي شكلت رافعة تنموية وأمنية و"أمنية فكرية" في عهده، رافعة جسدها "معهد الإمام ورش" بما قدمته وتقدمه إلى اليوم، في تزايد وتنام مشهود، أنبت وينبت ويزهر في كل ربوع الوطن.
وتبقى مسألة التقييم مرتبطة بالمخرجات، فماذا سيحدث المؤتمر على أرض الواقع من نتائج ملموسة، فالمواطن في كل بلد يقيس السياسات العامة بما تتركه من أثر في حياته اليومية، لا ما ينتهي إليه الاعلام، ففرص العمل وجودة الخدمات و مستوى العدالة والإنصاف؛ هي المكتسبات التي تترك أثرا في نفسيته وتنعكس على واقعه بالايجاب.
ورغم كل ذلك يبقى مؤتمر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؛ مؤكدا لاستمرار نهج التواصل المباشر مع المواطنين، وفتح المجال للنقاش حول القضايا الوطنية الكبرى. ويجسد جو التهدئة والانفتاح الذي بدأ به قيادته للجمهورية، ويشكل -دون شك- قيمة معنوية تنضاف للإسهام في ترسيخ دولة المؤسسات، وترسيخ مبدأ خدمة المصلحة الوطنية العليا قبل كل شيء.