تابعتُ باهتمام ما صدر من ردود وتعقيبات على بيان انسحابنا، فوجدتُ أن القليل منها التزم الموضوعية والإنصاف، بينما طغت على معظمها لغة الانفعال والمغالطة، وغلبت عليها السفسطة والعجز عن مناقشة الحقائق. ولذلك أربأ بنفسي عن الانحدار إلى مستوى المهاترات، وأترفع عن الرد على ما سقط مضمونًا وحجةً. وفي المقابل، أحيي بكل احترام تلك القلة التي حافظت على أخلاق الاختلاف، وخاطبت الرأي العام بلغة مسؤولة ومحترمة.
غير أن أخطر ما استوقفني هو البيان الرسمي الصادر عن قيادتكم، الذي لم يكتفِ بتزييف الوقائع، بل حاول عبثًا طمس حقيقة المنسحبين ودورهم ومكانتهم في تأسيس هذا المشروع. والأدهى من ذلك ادعاؤه أن تجميد الأخ الصوفي لعضويته يُعد استقالة أو خروجًا من هيئات الحزب، وهو ادعاء يجافي الحقيقة، ويعكس ارتباكًا سياسيًا ورغبةً في صناعة رواية بديلة لا تصمد أمام الوقائع.
إن الحقائق لا يحجبها بيان، ولا يغيّرها خطاب دعائي، والتاريخ لا يُكتب بالرغبات، وإنما يكتبه أصحاب المواقف، وتوثقه الوقائع التي لا يملك أحد حق تزويرها.
أيها الإخوة والأخوات..
إنني لا أقول هذا شماتةً، وإنما أسفًا على مآل مشروعٍ كان يُفترض أن يكون فضاءً جامعًا، فإذا به يتحول إلى بيئةٍ طاردة لكفاءاته ومؤسسيه. ومن المؤسف أن القيادة بدل أن تتوقف للمراجعة والنقد الذاتي، اختارت طريق الإنكار وتوزيع الاتهامات.
لقد غادر بالأمس الرئيس العميد الشيخ بكاي ورفاقه، واليوم نغادر نحن، وغدًا سيغادر آخرون، لأن أزمة المشروع ليست في من ينسحبون، وإنما في الأسباب التي تدفعهم إلى الانسحاب.
وإنني على يقين بأن مسلسل الانسحابات لن يتوقف ما دامت العقلية ذاتها تُدار بها شؤون الحزب، وما دامت الحقيقة تُواجه بالمكابرة، والنقد يُجابَه بالتشويه، والإخلاص يُكافأ بالإقصاء.
وغدًا لناظره قريب.
د محمد الأمين شريف أحمد