فالمشاهد الفطن لا بد أن يلحظ أن رئيس الجمهورية بدا بعيدًا عن أي توتر أو تشنج. لم يفاجئه سؤال، ولم يبحث عن إجابة تحت ضغط اللحظة، بل جاءت ردوده سلسة، دقيقة، وهادئة، تعكس إحاطة واسعة بتفاصيل الملفات، ومعرفة لا تقف عند العناوين بل تمتد إلى أدق الجزئيات. والأهم من ذلك أنه حافظ على إدارة الحوار بروح ودية جعلت المتحاورين أقرب إلى جلسة أسرية منها إلى مقابلة سياسية تقليدية.
وفي ثنايا الحوار، برز تعلق لافت بمؤسسات الدولة، تعلقٌ تجاوز حدود إبراز الدور الشخصي، وكأن الرئيس كان حريصًا على أن تكون الدولة هي البطل الحقيقي للمشهد، لا الفرد. وكان من اللافت في هذا السياق تثمينه الواضح لمكانة المؤسسات، وحرصه على ترسيخها كمرجعية أساسية في العمل العام، في مقابل أي نزعات قد تختزل الدولة في الأشخاص أو الرموز. وفي هذا الإطار، بدا انزعاجه من عبارة “قانون الرموز” أو “رموز النظام” تعبيرًا دالًا على هذا التوجه، إذ يعكس حساسية واضحة تجاه كل ما قد يوحي بتجسيد الدولة في أشخاص أو عناوين رمزية، بدل أن تُفهم باعتبارها كيانًا مؤسسيًا متكاملًا. وهو موقف يترجم تعلقًا عميقًا بمؤسسات الدولة، وإصرارًا على أن قوتها الحقيقية لا تُستمد من الرموز، بل من رسوخ بنيتها وفاعلية أجهزتها واستمرارية عملها.
كما كشف الحوار عن مقاربة في إدارة الشأن العام تقوم على الشراكة أكثر من الانفراد. فقد بدا الرئيس ميالًا إلى تقديم نفسه شريكًا في صناعة القرار، يعمل مع الحكومة والمؤسسات والمواطنين، لا صاحب قرار منفرد. وهي رؤية تعزز ثقافة المشاركة، وتمنح المواطن إحساسًا بأنه جزء من مسار القرار الوطني، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
ولعل أكثر ما استوقف المتابع أيضًا ذلك الدفاع الواضح عن الحكومة. فلم يكن دفاعًا اضطراريًا أو بروتوكوليًا، بل بدا دفاعًا يستند إلى قناعة بالشراكة في المسؤولية، وإيمان بأن نجاح الحكومة هو نجاح للدولة، وأن النقد ينبغي أن يكون منصفًا بقدر ما يكون موضوعيًا. لذلك تولى الرئيس الدفاع عن أداء حكومته بثقة وهدوء، وكأنه يبعث برسالة مفادها أن المسؤولية السياسية لا تتجزأ، وأن قيادة الدولة تقف خلف مؤسساتها ولا تتركها تواجه وحدها عواصف الجدل.