*حين تتحول العطلة إلى مشروع وطني :*/ *أبى معاذ*

Image
chinguitel
التاريخ 04 July 2026 آخر تحديث 04 July 2026

ليست القيادة الناجحة تلك التي تنشغل بإدارة الحاضر فحسب، بل التي تمتلك القدرة على استشراف ما يحفظ للأمة تماسكها ويصون للمجتمع وحدته ويعمق في النفوس معاني الانتماء والوفاء. ومن هذا المنظور يمكن قراءة دعوة رئيس الجمهورية الموظفين إلى قضاء عطلهم الصيفية في مواطنهم الأصلية، باعتبارها دعوة تحمل من الدلالات ما هو أبعد من ظاهرها، وأعمق من أن تُختزل في مجرد توجيه موسمي عابر.
ففي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتباعد فيه المسافات بين الإنسان وجذوره، تأتي هذه الدعوة لتعيد الاعتبار لقيمة الانتماء، وتذكر الناس بأن الأوطان الكبرى تبدأ من الأوطان الصغيرة؛ من القرية التي شهدت الميلاد، ومن الحي الذي احتضن البدايات، ومن البيئة التي تشكل فيها الوعي الأول، ونمت فيها المشاعر الأولى تجاه الأرض والناس والتاريخ.
إنها دعوة إلى العودة إلى المنابع، لا هروبًا من الحاضر، بل استمدادًا للقوة منه. فحين يعود الموظف إلى موطنه الأصلي يعود محملًا بخبراته ومعارفه وتجربته، ويعود كذلك إلى أهله وأرحامه وجيرانه، فيجدد ما كادت الأيام أن تضعفه من وشائج القربى وأواصر المودة. وما من مجتمع قوي إلا وكانت صلة الرحم إحدى دعائمه الكبرى، وما من أمة حافظت على تماسكها إلا لأنها حافظت على تلك الروابط الإنسانية التي تجعل أفرادها جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.
ثم إن لهذه الدعوة بعدًا اقتصاديًا وتنمويًا لا تخطئه عين المتأمل. فانتقال آلاف الموظفين إلى مناطقهم الأصلية ينعش الأسواق المحلية، ويحرك عجلة النشاط الاقتصادي، ويضخ موارد جديدة في المناطق الداخلية، ويجعل التنمية أكثر انتشارًا وعدالة. كما يتيح للأطر والكفاءات أن يعاينوا واقع مناطقهم عن قرب، فيدركوا حاجاتها الحقيقية، ويصبحوا أكثر قدرة على الإسهام في نهضتها والدفاع عن مصالحها المشروعة.
غير أن أعظم ما في هذه الدعوة أنها تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمع الموريتاني، ذلك المجتمع الذي ظل عبر تاريخه الطويل متماسكًا بقيم التكافل والتراحم والتواصل الاجتماعي. فالسياسات الرشيدة لا تقتصر على تشييد الطرق والمباني، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان وحماية النسيج الاجتماعي من عوامل التآكل والتفكك. وحين يُدعى الناس إلى التواصل مع جذورهم وأرحامهم ومجتمعاتهم المحلية، فإن المقصود في الحقيقة هو تحصين المجتمع من الاغتراب، وترسيخ الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن.
ومن هنا فإن هذه الدعوة تكشف عن رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى آفاق أرحب، رؤية تدرك أن قوة الدولة ليست فقط في مؤسساتها وإداراتها، بل في قوة الروابط التي تجمع أبناءها، وفي مقدار ما يشعر به كل فرد من انتماء صادق إلى أرضه وأهله ومجتمعه.
ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى هذه المبادرة باعتبارها رسالة اجتماعية ووطنية بامتياز، ورسالة من شأنها أن تعيد الدفء إلى العلاقات الأسرية، وأن تعمق الشعور بالهوية والانتماء، وأن تفتح أبوابًا جديدة للتنمية والتكافل والتواصل. وهي معانٍ نبيلة لا تصدر إلا عن رؤية ثاقبة تدرك أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن المحافظة على وحدة المجتمع لا تقل أهمية عن المحافظة على حدود الدولة ومؤسساتها.
وإذا كانت بعض القرارات تُقاس آثارها بالأرقام والإحصاءات، فإن مثل هذه الدعوات تُقاس بما تزرعه في النفوس من معانٍ، وما تبعثه في المجتمع من روح، وما تفتحه من آفاق أمام أمة لا تزال ترى في صلة الرحم، وحب الأرض، والوفاء للجذور، من أعظم القيم وأبقاها أثرًا.
 

Image
mrtel