موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟

Image
chinguitel
التاريخ 30 June 2026 آخر تحديث 30 June 2026

الحلقة الثالثة: لماذا ما زالت النخبة تفكر بعقل الأمس؟ وما الذي ننتظره من حوارها؟
هذه الحلقة من جزئين:
الجزء الأول

في المقالين السابقين انتهينا إلى حقيقتين أساسيتين: الأولى أن العالم دخل مرحلة جديدة أعادت رسم خرائط القوة والمصالح الدولية، والثانية أن موريتانيا لم تعد دولة هامشية في تلك الخرائط، بل أصبحت، بفعل موقعها الجغرافي، وثرواتها المعدنية والطاقوية، وامتدادها البحري، واستقرارها النسبي، دولة تتزايد قيمتها الاستراتيجية عاماً بعد آخر.

وبذلك لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: لماذا أصبحت موريتانيا مهمة؟ فهذا السؤال أجبنا عنه. وإنما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما تزال النخبة الموريتانية تفكر بعقل الأمس، بينما أصبحت موريتانيا تعيش واقعاً جديداً؟

عندما انعقد أول حوار وطني في موريتانيا سنة 2001، كان العالم مختلفاً تماماً. لم يكن الحديث قد بدأ بعد عن الهيدروجين الأخضر، ولا عن المعادن الاستراتيجية التي أصبحت اليوم أساس الصناعات الحديثة، ولا عن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، ولا عن الصراع الدولي على الممرات البحرية، ولا عن التحول الكبير الذي جعل غرب إفريقيا إحدى الساحات المهمة للتنافس بين القوى الكبرى. ولم تكن موريتانيا قد اكتشفت مواردها الغازية، ولا أصبحت شريكاً مطلوباً في ملفات الطاقة، والأمن، والهجرة، والاستثمار.

أما اليوم، ونحن نقترب من عام 2029، فقد تغير العالم إلى درجة يصعب معها مقارنة واقعه بما كان عليه قبل ربع قرن. تبدلت موازين القوى، وتصاعد التنافس على الموارد، وأصبحت الدول تُقاس أهميتها بقدرتها على تأمين الطاقة، والمعادن، والممرات التجارية، والاستقرار السياسي. وفي قلب هذه التحولات ارتفعت القيمة الاستراتيجية لموريتانيا بصورة لم تعرفها منذ قيام الدولة الحديثة.

ومع ذلك، فإن المتأمل في كثير من نقاشاتنا السياسية يلاحظ مفارقة لافتة؛ فبينما تغير العالم، بقي جزء معتبر من خطابنا السياسي يدور حول الأسئلة نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالعقلية نفسها التي كانت سائدة عند مطلع الألفية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فليست المشكلة أن النخب السياسية أخطأت في قراءة عالم الأمس؛ فذلك حدث في دول كثيرة. وإنما المشكلة أن جزءاً منها ما يزال يحاول إدارة عالم اليوم بالأفكار نفسها التي صيغت لعالم انتهى. وأخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس تغير البيئة الدولية، وإنما أن تتغير تلك البيئة بينما تبقى مؤسساتها ونخبها وأساليب تفكيرها على حالها.

لقد كانت موريتانيا، طوال عقود، دولة تنشغل أساساً بإدارة توازناتها الداخلية. وكانت هذه المقاربة، إلى حد كبير، مفهومة في ظل محدودية حضورها في الحسابات الدولية آنذاك. أما اليوم، فإن دولة ارتفعت قيمتها الاستراتيجية لم تعد تملك ترف الاكتفاء بإدارة الواقع، بل أصبحت مطالبة بصناعة المستقبل.

ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه موريتانيا بعد عام 2029 لا يتعلق بإدارة مرحلة جديدة فحسب، وإنما بتأسيس مرحلة جديدة.

مرحلة تبدأ برؤية وطنية شاملة، تعيد تعريف أولويات الدولة، وتوحد جهودها، وتحشد إمكاناتها البشرية والطبيعية والاقتصادية في مشروع وطني جامع، ينتقل بموريتانيا من دولة تستجيب للمتغيرات إلى دولة تبادر إلى صناعة موقعها فيها.

إن هذا التحول لا يعني تغيير الحكومات أو تعديل بعض القوانين أو استبدال بعض المسؤولين، وإنما يعني إعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها في الدولة نفسها.

فالدولة التي أصبحت ذات قيمة استراتيجية تحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة، وإدارة أكثر سرعة، ورؤية أوضح، وقدرة أكبر على اتخاذ القرار، ومعايير مختلفة في اختيار الرجال والنساء الذين يديرون الشأن العام، يكون أساسها الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز، لا اعتبارات أخرى أثبتت التجربة محدودية مردوديتها.

كما تحتاج إلى الاتفاق على رؤية وطنية تتجاوز الأشخاص والأحزاب والحكومات، وتجيب عن الأسئلة الكبرى التي ستحدد مستقبل البلاد لعقود مقبلة: ما الاقتصاد الذي نريد؟ وما مكانة موريتانيا في محيطها الإقليمي والدولي؟ وكيف نحول ثرواتنا إلى تنمية مستدامة؟ وما الإصلاحات التي يجب أن تصبح محل إجماع وطني لأنها تتعلق بالدولة لا بالحكومات؟

غير أن مثل هذا التحول لا يمكن أن يتحقق من دون شرعية وطنية واسعة، ولا يمكن أن تُبنى هذه الشرعية إذا ظللنا نكرر الأدوات نفسها التي استُخدمت طوال العقود الماضية.

ولعل مراجعة سريعة لمسار الحوارات السياسية تكشف هذه الحقيقة بوضوح.

فقد شهدت موريتانيا منذ بداية الألفية الوطنية سلسلة من الحوارات والتشاورات، بدأت بالحوار الوطني سنة 2001، ثم أيام التشاور الوطني بعد المرحلة الانتقالية سنة 2005، مروراً بحوار 2011، وصولاً إلى الحوار السياسي الشامل سنة 2022، إضافة إلى مبادرات متعددة للتوافق والعفو السياسي والتفاهمات الوطنية، تناولت معظم القضايا الكبرى التي شغلت الساحة السياسية، من الإصلاحات الدستورية والسياسية إلى الانتخابات والوحدة الوطنية والحكامة.

ومع ذلك، فإن جانباً كبيراً من تلك القضايا عاد اليوم إلى الواجهة من جديد، وكأن الزمن دار دورته ليعيدنا إلى نقطة البداية.

وهذا لا ينتقص من قيمة الحوار، بل على العكس، يؤكد ضرورته. لكنه يدفعنا إلى طرح سؤال أكثر عمقاً: هل كانت المشكلة في غياب الحوار، أم في طبيعة الحوار نفسه؟ وهل كان الهدف هو بناء رؤية وطنية طويلة المدى، أم الاكتفاء بإدارة الخلافات السياسية وتأجيلها إلى موعد آخر؟

لقد أصبح من المألوف في الحياة السياسية الموريتانية أن تدخل البلاد، مع كل رئيس جديد، في دورة تكاد تتكرر بالترتيب نفسه: مرحلة للتهدئة، ثم دعوة إلى الحوار، ثم توافقات جزئية، ثم شعور عام بأن البلاد تجاوزت أزماتها، قبل أن تعود الملفات نفسها إلى الواجهة مع اقتراب نهاية المأمورية، وكأننا نبدأ من جديد.

وليس المقصود بهذا التشخيص التقليل من أهمية ما تحقق في كل مرحلة، ولا إنكار ما رافق بعضها من مكاسب سياسية أو مؤسسية، وإنما الإشارة إلى أن المنهج ظل في جوهره واحداً، رغم أن البيئة التي تتحرك فيها الدولة تغيرت بصورة جذرية
الجزء  الثاني من المقال يأتيكم المساء

 

 

محمد محمود ولد بكار 

Image
mrtel