قد يمنح التاريخ أحيانًا لجيلٍ من الأجيال مسؤوليةً استثنائية، وبالنسبة للشباب الموريتاني اليوم، فإن هذه المسؤولية باتت واضحة المعالم: إعداد موريتانيا لمواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي تعيد رسم ملامح العالم وتوازناته.
فلم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، وأتمتة المهن، واقتصاد المعرفة مجرد تصورات مستقبلية بعيدة المنال، بل أصبحت واقعًا متسارعًا سيحدد مستقبل تنافسية الدول، وجودة حكامتها، وحجم الفرص التي توفرها لمواطنيها.
وأمام هذه التحولات العالمية المتسارعة، تبرز الرؤية التي يحملها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني باعتبارها خيارًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. فعندما جعل فخامته من مأموريته الثانية «مأمورية للشباب»، لم يكن يخاطب فئة عمرية بعينها، بل كان يحدد القوة الوطنية الأولى المؤهلة لقيادة التحول وصناعة مستقبل البلاد.
إن الثقة التي منحها رئيس الجمهورية للشباب ليست مجرد رسالة سياسية، بل هي تكليف وطني ومسؤولية تاريخية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي لشباب حزب الإنصاف أن يدركوا أن دعم المشروع الإصلاحي الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية لم يعد يقتصر على الأشكال التقليدية للعمل السياسي، بل أصبح يتطلب الانتقال إلى أدوار أكثر تأثيرًا تقوم على الاستعداد للمستقبل، والابتكار، وصناعة المبادرات، واستشراف التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
ولتحقيق هذه المهمة الوطنية، تبرز مجموعة من الأولويات الاستراتيجية.
أولها ترسيخ ثقافة التميز والكفاءة والتكوين المستمر. فكل شاب مناضل مطالب اليوم باعتبار التمكن من التقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، واللغات الأجنبية، وإدارة المشاريع، والتكنولوجيات الحديثة واجبًا وطنيًا يساهم في تعزيز مكانة موريتانيا وقدرتها على المنافسة في عالم سريع التغير.
أما الأولوية الثانية فتتمثل في بناء عقل استراتيجي جماعي قادر على استشراف المستقبل. فشباب الإنصاف مدعوون إلى التحول إلى فضاء دائم للأفكار والمبادرات، قادر على تشخيص التحديات الناشئة واقتراح الحلول الملائمة للواقع الموريتاني. وينبغي أن تصبح قضايا الزراعة الذكية، والإدارة الرقمية، وتطوير الخدمات العمومية، والابتكار التربوي، وريادة الأعمال التكنولوجية محاور أساسية للنقاش والعمل والإنتاج الفكري.
وتتعلق الأولوية الثالثة بتعزيز مشاركة الشباب في صناعة السياسات العمومية. فمأمورية الشباب تعني أن يكون الشباب شركاء في صياغة القرار الوطني، لا مجرد متابعين له. وعليهم أن يساهموا في النقاش العمومي، وأن يقدموا الدراسات والمقترحات، وأن يواكبوا تنفيذ الإصلاحات الكبرى التي تتبناها الدولة.
أما الأولوية الرابعة فتتمثل في تشجيع الابتكار وريادة الأعمال. فموريتانيا بحاجة إلى جيل جديد من رواد الأعمال والمبدعين وحاملي المشاريع القادرين على خلق القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي في مختلف القطاعات.
وتتمثل الأولوية الخامسة في تعبئة الطاقات الشبابية على امتداد التراب الوطني. ففي كل ولاية ومقاطعة وبلدية، يجب أن يكون الشباب سفراء للتحول الرقمي، والتعليم، والمواطنة الفاعلة، والتنمية المحلية. فبناء موريتانيا الحديثة لا يمكن أن يقتصر على المراكز الحضرية الكبرى، بل يجب أن يشمل جميع مناطق الوطن دون استثناء.
وعليه، فإن شباب حزب الإنصاف مدعوون إلى الانتقال من منطق المشاركة السياسية التقليدية إلى منطق القيادة الوطنية المسؤولة، القادرة على استشراف التحولات العالمية، ومواكبة الإصلاحات الوطنية، وإعداد الأجيال القادمة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد ثورة تكنولوجية، بل هو ثورة في المعرفة والإنتاجية والحكامة. والدول التي تنجح في تعبئة شبابها حول هذه التحولات ستكون الأكثر قدرة على تعزيز سيادتها الوطنية، وتحقيق ازدهارها الاقتصادي، وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية.
واليوم، تمتلك موريتانيا فرصة تاريخية حقيقية. فبفضل الرؤية الاستشرافية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أصبح بإمكان بلادنا أن تسبق التحولات بدل أن تكتفي بمواكبتها، وأن تحول التحديات التكنولوجية إلى روافع للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية.
ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن يصبح شباب الإنصاف القوة الوطنية الأولى في الاستعداد للمستقبل.
مزيدًا من التكوين.
مزيدًا من الابتكار.
مزيدًا من المبادرة.
مزيدًا من المشاركة.
مزيدًا من العطاء.
وبذلك فقط يترجم الشباب عمليًا الثقة التي وضعها فيهم فخامة رئيس الجمهورية.
وبذلك يساهمون في بناء موريتانيا قادرة على تحويل التحولات العالمية إلى فرص للتقدم والازدهار المشترك والرفاه المستدام لصالح جميع المواطنين.
إن «مأمورية الشباب» ليست مجرد عنوان سياسي، بل هي رؤية وطنية متكاملة ودعوة صريحة إلى العمل والإنجاز.
ويبقى الرهان اليوم على وعي الشباب، وقدرتهم على اغتنام هذه الفرصة التاريخية، وتحويلها إلى مشروع نهضة وطنية يضمن لموريتانيا مكانة مستحقة في عالم المستقبل.
عبد الله ولد أحمد دامو