الحاج أحمد إديجبي يكاتب /؟ اللعبة

Image
chinguitel
التاريخ 01 November 2026 آخر تحديث 01 November 2026

في 3 أغسطس 2005 صعد أحمدي نجاد إلى الرئاسة الإيرانية بدعم مطلق من المرشد الأعلى والتيار الأصولي المتشدد، وقمعت الدولة تحت حكمه وبعنف شديد "الحركة الخضراء" المعارضة عام 2009.

قبل خروجه من الحكم، وفي أواخر فترته الرئاسية الثانية، بدأ نجاد بإرباك المشهد السياسي الإيراني عبر توجيه انتقادات حادة وقاسية وغير مسبوقة للقضاء الإيراني وبعض أجهزة الحرس الثوري ولم يسلم من انتقاده حتى دائرة المرشد المقربة… وهكذا تم تصوير المشهد للشعب وللإعلام العالمي على أنه "خلاف حاد وجذري" وكأن نجاد تحول بين عشية وضحاها إلى "معارض شرس" ! …لم يكن ذلك في حقيقة الأمر إلا خلافا مفتعلا، وهو ما يسمى في المصطلح السياسي بهندسة المعارضة الوهمية؛ حيث يقوم النظام في الأوقات الحرجة "بإخراج" أحد عناصره المقربة والموثوقة ودعمه سرًا وحشد المؤيدين حوله ليظهر فيما بعد في العلن كمعارض لا يرحم، ينتقد الأوضاع القائمة ، دون المساس برمز المرشد – في حالة نجاد-، فيجذب الناخبين الغاضبين الراغبين في معاقبة ذلك النظام. لكن الحقيقة غير ذلك تماما فهذا المرشح لن يكون إلا مضبوطاً بسقف محدد ولا يشكل أي خطر حقيقي على بنية النظام الأساسية بل هو على العكس، امتداد له فقط.

يلاحظ أن الرجل وجه خطابه أساسا إلى الطبقات الفقيرة والمحافظة الساخطة على الوضع الاقتصادي، متخذا مظهر "معارض من داخل البيت"؛ مما جعل الناس تأمل في التغيير الآمن من خلاله بدلاً من الثورة على النظام.

لم يكن نجاد في حقيقته إلا "ابن النظام" المخلص والمطيع، وهكذا خدم هذا النظام من خلال مهمته كمعارض "مشاغب" عبر إيهام الشعب بوجود تنوع وحرية نقد داخل الدولة الحاكمة مما أدى أولاً إلى امتصاص وتفتيت أصوات المعارضة الحقيقية التي كانت تسعى لإسقاط النظام بالكامل، وثانيا توجيه تلك الأصوات وتفريغها في معركة شخصية بين أقطاب السلطة.

كخطوات عملية ضمن هندسة المعارضة الوهمية يعمد النظام أيضا إلى تفتيت المعارضة الحقيقية عبر تسهل ظهور عدة مرشحين "احتجاجيين" في وقت واحد. هذا التعدد يدفع إلى تشتيت الأصوات العقابية للناخبين الغاضبين بين عدة خيارات، مما يضمن في النهاية فوز مرشح النظام الفعلي بسبب تماسك كتلته التصويتية وثباتها.

أما في الشق القانوني : (الهندسة القانونية) فمن أجل التحكم في سياق المنافسة قد يقوم النظام بإقصاء المعارضين الحقيقيين عبر القوانين المكيفة أو شروط الترشح المشددة، ولا يترك في الساحة إلا مرشحين ضعفاء أو موالين خفيين إضافةً إلى المرشح "الفزّاعة" كما وقع هنا في رئاسيات 2014 مع المرشح بيرام الداه اعبيد. هنا يجد الناخب الراغب في التصويت العقابي نفسه مجبراً على اختيار مرشح النظام أو أحد هؤلاء المرشحين الأدوات – بدرجة أقل-، والذين تخدم كتلهم الانتخابية -على صغرها- في النهاية إضفاء الشرعية على العملية الانتخابية برمتها، بل إن كتلهم الصغيرة ستكون بمثابة خزان مؤقت يتم تفريغه في حساب مرشح النظام الحقيقي في حال شوط ثان .

ينتج غالباً عن هذه العملية المعقدة فرز المرشحين بالشكل التالي :

1. مرشح النظام

بعد اختيار المرشح المخلص والمطيع يتم إخراجه تكتيكيًا من دائرة النظام ثم يسمح له لاحقًا بهامش حركة وصوت مرتفع لا يُسمح به عادة لأي معارض حقيقي، فهو في النهاية "ابن النظام"، ووجوده "كمعارض" "مشاغب" هو لخدمة هذا النظام ليس إلا.

قد يعمد النظام – إمعانا في الخداع والتضليل- إلى تقديم مرشح آخر – من داخل النظام أيضا – ككبش فداء يكون بمثابة كيس الملاكمة الذي يتدرب عليه مرشحه المدلل وينسب له كل عجز سابق للنظام وكل إخفاق لتفرغ فيه شحنات الغضب الشعبي.

2. البديل الحقيقي

إذا لم يتم التخلص من المرشحين الأقوياء من خلال آلية (الهندسة القانونية) ، حينها يعمد النظام إلى شيطنة وتخويف الناخبين منهم لأنهم يمثلون البديل الحقيقي الذي قد يظهر كوجهة للتصويت العقابي، فيندفع الإعلام الموالي للنظام إلى تشويه سمعته وتصويره كتهديد للاستقرار فيدفع هذا الإجراء الناخبين (حتى أشدهم غضبا) إلى التراجع عن معاقبة النظام خوفاً من المجهول، أو يوجههم للتصويت العقابي لصالح "المرشح الأداة" الأقل خطورة الذي اصطنعه النظام لنفسه.

3. المرشح "الفزّاعة"

يبرز النظام مرشحاً متطرفاً أو مثيراً للجدل في جبهة المعارضة "كفزّاعة"، مما يجبر الكتلة الناخبة الواسعة على التصويت لمرشح النظام من باب "التصويت العقابي" ضد ذلك المتطرف، ويتحول النظام هنا في نظر الناخب إلى "أهون الشرين". (رئاسيات 2014)

4. المرشحون الهامشيون

وهم أولئك الوافدون من الفراغ والذين يظهرون في المواسم الانتخابية فقط ثم إذا هم بعدها يتلاشون وينحصر دورهم على إضفاء الشرعية على العملية الانتخابية عبر "تبييض" الانتخابات أو "تلوينها".

بالعودة إلى نموذج نجاد -في نسخته المعارضة- نجد أن الرجل لعب دوره ببراعة، ورغم أن النظام وجد فيما بعد في شخص المعارض حسن روحاني* مخرجا معقولا ومقبولا من الأزمة إلا انه ظل يحتفظ بنجاد وتياره كخطة طوارئ بديلة عبر تركه يمارس دور "المعارض المشاغب" لسنوات بعد الرئاسة فأبقاه حياً في الذاكرة الشعبية كبطل للفقراء ومحارب للفساد فكان كالإسنفنجة التي تمتص الغضب الشعبي عند كل فوران .

حتى إذا ما واجه النظام يوماً ثورة شعبية عارمة أو انسداداً سياسياً كاملاً، أمكنه إعادة تقديم نجاد أو تياره إلى الواجهة لإقناع الشعب بأن "المعارض القديم وصل الآن للسلطة، فاهدؤوا".

* لا يمنع الدستور الإيراني الرئيس من الترشح مجدداً طوال حياته؛ بل يمنعه فقط من الترشح لـ فترة ثالثة موالية: يحق للرئيس بعد انتهاء فترتيه المتتاليتين وخروجه من الحكم (لمدة فترة رئاسية واحدة على الأقل) أن يعود ويترشح لمنصب الرئاسة من جديد كفترة منفصلة.

Image
mrtel