محمد ولد بيانه… حين تصبح العربية تهمة، والفرنسية شهادة كفاءة!

Image
chinguitel
التاريخ 20 October 2026 آخر تحديث 20 October 2026

أي مفارقة أشد غرابة من أن يُنتقد وزير الثقافة في موريتانيا لأنه لا يتحدث، حسب منتقديه، إلا العربية، بينما لا يطال النقد نفسه مسؤولين لا يحسنون اللغة الرسمية لبلادهم؟ وهل أصبحت الفرنسية شهادة كفاءة، والعربية قرينة عجز؟

أثار انتقاد وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، محمد ولد بيانه، قضية تتجاوز شخصه إلى مكانة العربية في دولتنا، ومعايير اختيار المسؤولين وتقييم أدائهم.

أولًا: العربية اختيار دستوري وسيادي.

تنص المادة السادسة من الدستور الموريتاني على أن العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية، وأن العربية والبولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية. فكيف يصبح الاعتماد على اللغة الرسمية سببًا للتشكيك في أهلية مسؤول؟

وفي هذا السياق، يستحق التعميم الذي أصدره الوزير اليوم، بشأن اعتماد العربية لغةً للإدارة والمراسلات، الإشادة والتثمين؛ فهو خطوة عملية لتفعيل مقتضى دستوري، وتعزيز السيادة اللغوية، مع ضرورة صون حقوق المتحدثين باللغات الوطنية الأخرى.

ثانيًا: لماذا ازدواجية المعايير؟

كم من وزير أو مسؤول سامٍ يتقن الفرنسية، لكنه يعجز عن تحرير رسالة إدارية سليمة بالعربية؟ ولماذا لا يطاله النقد نفسه؟

لا تتوفر إحصاءات موثقة عن هؤلاء، لكن السؤال مشروع: إذا كان ضعف الفرنسية نقصًا في الكفاءة، أفليس ضعف العربية، وهي اللغة الرسمية، أجدر بالمساءلة؟ أم أن لغة المستعمر السابق أصبحت معيارًا للتفوق على لغة الدستور؟

ثالثًا: العلم يؤكد أهمية اللغة الأم.

أشار البنك الدولي سنة 2021 إلى أن نحو 37% من التلاميذ في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يتعلمون بلغة لا يفهمونها جيدًا، مما يعيق تحصيلهم.

وأكدت اليونسكو سنة 2025 أن نحو 40% من المتعلمين عالميًا لا يتلقون التعليم بلغة يفهمونها بطلاقة، وأن الأطفال الأفارقة الذين يتعلمون بلغة مألوفة لديهم أكثر احتمالًا بنسبة 30% للقراءة بفهم عند نهاية المرحلة الابتدائية.

ورغم تعلق هذه النتائج بالتعليم أساسًا، فإنها تؤكد أهمية اللغة المألوفة في الفهم والتعبير واكتساب المعرفة، دون أن تكون وحدها ضمانة للكفاءة المهنية.

رابعًا: لغة الإدارة حق للمواطن.

اعتماد العربية في الإدارة، مع ضمان التواصل باللغات الوطنية الأخرى، يقرب الخدمات من المواطنين وييسر فهم حقوقهم وواجباتهم. فليس من المنطقي مطالبة المواطن بإتقان الفرنسية لفهم قرار إداري يمس حياته، أو سياسة عمومية تمولها أموال دافعي الضرائب.

ومن هنا تتأكد أهمية تعميم الوزير، على أن يصاحبه حسن التنظيم والكفاءة والشفافية.

خامسًا: حاسبوا الوزير على إنجازاته، لا على لسانه أو قبيلته.

من حق الجميع مساءلة محمد ولد بيانه عن أدائه في حماية التراث، وترقية اللغات الوطنية، وتطوير الإعلام ودعم الإبداع. أما التشكيك في كفاءته بناءً على ادعاء عدم إتقانه اللغات الأجنبية، دون إثبات أو بيان أثر ذلك في أدائه، فليس تقييمًا موضوعيًا.

خاتمة: لا تجعلوا من العربية تهمة!

لسنا ضد الفرنسية أو الإنجليزية، بل نعتبر إتقانهما إضافة مهمة، لكننا نرفض تحويل اللغات الأجنبية إلى شهادات تفوق، والعربية إلى قرينة قصور.

إن موريتانيا تحتاج مسؤولين أكفاء، معتزين بهويتهم ومنفتحين على العالم، وتعليمًا يعزز العربية ويرقي البولارية والسوننكية والولفية، ويفتح آفاق المعرفة باللغات الأجنبية.
فليُحاسب الوزير على قراراته وإنجازاته، لا على عدد اللغات التي يتحدثها أو القبيلة التي ينتمي إليها.

والمفارقة أن نرفع العربية إلى مقام السيادة في دستورنا، ثم نتعامل معها وكأنها عائق أمام تولي المسؤولية في دولتنا!

فالأمم الواثقة من نفسها تتعلم لغات الآخرين لتزداد قوة، لا لتستصغر لغتها أو تنتقص من أبنائها.

د. محمد الأمين شريف أحمد

Image
mrtel