لمرابط ولد ببَّها رحمه الله : صفوة الصّفوة و خلاصة التميُّز

سبت, 08/14/2021 - 15:07

تماما كما تميّز الإمام ناصر الدين من بين أقرانه بفتوحاته الاسلامية المشهودة جنوب النهر ، فقد تميز كذلك ابن عمه العالم العلامة محنض بن الماحي ( أخو بلَّ وعمِّ ) بن المختار اگدَ عثمان ( أخو أبوبكر جد الامام ناصر الدين و عمر الجد الجامع لأهل أعمر إديقب في انيفرار) في العلم إلى درجة أن الإمام ناصر الدين أمره بالتفرغ للتدريس آنذاك بحجة أنه قدْ تعيَّن عليه مستدلا بقوله تعالى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}~[التوبة : 122].
و بأمر و فراسة من الإمام ناصر الدين كذلك تزوج العلامة محنض بن الماحي هذا إحدى طالباته هي مريم بنت القطب الشريف مودي مالك شقيقة العلامة ألفغ مينحنَ فولدتْ له ابنه جدنا العالم العلامة محمد العاقل الذي يصفه محمد والدْ بن خالُنا في مقدمة كتابه "المعين" بقوله إنه شيخُ شيوخه و إنه " قطب رحى مكانه، وإنسانُ عين زمانه ، المبرِّزُ الفائق لأقرانه، المجيلُ في العلم الجائل في ميدانه ، الفحلُ من فحوله ، الضاربُ في فروعه وأصوله ، السميذعُ الحلاحلُ".
و كما تميز محمد العاقل تميز سائرُ أبنائه من بعده و منهم ابنُهُ العالم العلامة أحمدْ بن العاقل علما شيخ النابغة الغلاوي كما تميّزتْ أخته جدتنا غديجة شيخة المختار بن بونه الجكني و المامي عبد القادر كنْ (1807/1726م) رئيس الدولة الاسلامية الإمامية في فوته.
وتضاعف تميز لمرابط أحمد بن العاقل بعد رحلته العلمية الشهيرة .
و إلى تميُّز أحمدْ بن العاقل يشير العلامة محنض بابَ بن اعبيْدْ في مرثيته له بقوله :

لقد صُكَّتْ الدنيا بداهيةٍ دَهْيَا
تبلّغ من هاماتها القننَ العُليا

بفقد الفتى ابنِ العاقلِ العاقلِ الذي
إذا بالغ المُغيي يكون به الإغيا

إذا اختلف الأقوام في حلِّ مشكلٍ
فأحمدُ عند القوم أحمدهمْ رأيا !

و كما تميَّز أحمدْ بن العاقل - وهو غنيّ عن التعريف - تميز سائر أبنائه من بعده و منهم العلامة محمذن (مامَّينْ ) الذي أضاف إلى ميزة العلم و العمل به ميزة المزاوجة بين السلطتيْن الروحية و الزمنية و ذلك عندما أصبح شيخا في الطريقة الشاذلية التي أخذها مباشرة عن الشيخ أغربط ولد أحمذ النور الحاجي و بعد أَنْ عُيِّنَ بالإجماع رئيسا لمجلس الحل و العقد في مجتمعه الأبهميّ العثماني كافةً . ذلك ما تدلّ عليه بعض الوثائق التاريخية التي تتضمن قراراتٍ حاسمةً ذات طابع عام تحمل عنوان "مرسوم " ويوقعها الشيخ الرئيس بصفته متصرّفا " عن الجماعة و بأمر منها " و ربما ذكر أسماء الجماعة التي فوّضته سلطة التوقيع باسمها من ممثلي المكونات التي يتشكل منها المجتمع.
و لعل من أهمِّ هذه المراسيم ما وقفتُ عليه مرة مدوناً على هامش كتاب التهذيب للبرادعي في مكتبة أهل شمّاد بن امحمدْ بن أحمد يوره و يقضي باعتبار أسرة العلم والولاية والصلاح أهل محمد فال بن سيدي محمد التنواجيوي من صميم فخذ إدابهمْ - أهل المختار اگد عثمان بالعَصَبَة (و هي ذات المنشأ في منطقة الحوض و الإقامة في منطقة إيگيدي)! أما أطرف هذه المراسيم فهو ذلك الذي يقضي بتعهُّد الجماعة بأن تتبرَّأَ بل تنبذَ كلَّ فرد منها " ينتصر لنفسه " دونها ، ولا شكّ أن لهذا المرسوم الرئاسيّ " العاجل" - كما أتخيله - مسوِّغاً مقبولاً قد يكشف عنه عرض الأسباب في وقتٍ لاحق .
هذا وكان الشيخ الرئيس محمذن بن أحمدْ علما كثير الإعتزاز بمجتمعه و في ذلك السياق تتنزل قصيدته الشهيرة التي يقول في مطلعها :

أهاجك من خشم انگُبيبَ " معاهدُ
عهدتَ بها هيفاً هناك أَعاهدُ

و فيها يقول :

فإنا "بني أبْهنضَ " و الحق أبلجٌ
لنحنُ وربي نحن نحن الأماجدُ

فإنا بني أبهنضَ من نكُ حزبَهُ
يقدَّمْ لدى الأندا و يوقى الشدائدُ

وفينا لنادي الخمس في الله قادةٌ
ومن يكُ من ديمان للخمس قائدُ ؟!

علينا مدار الأمر إن جل خطبهمْ
وإن تُفجِعْ الأعدا فنحنُ الأطاودُ

ومنا لأهل الجهل جهل يصدّهمْ
ومنا لأهل العدل عدل يساعدُ

ومنا أويسٌ والحسين بنُ هانئٍ
ومنا أساةُ الزيغ منا الجلامدُ

ومنا أسودُ الله تبْذل أنفُساً
ليُظهر دينَ الحق من هو جاحدُ

ومن يك للإبْرام والنقض غيرُنا
قديماً و ما ناءٍ كمنْ هو شاهدُ

إلى أن يقول :

فهذا وقد حاولتُ مدحَ عشيرتي
على رغمِ من يبغي ومن هو حاسدُ!

وكما تميّز محمذن بن أحمد بن محمد العاقل فقد تميّزَ سائر أبنائه من بعده و منهم محمد فال ببَّها الأول - على حدّ تعبير أستاذنا محمد المختار ولد اپَّاه - بابَ علَماً- إذْ كان الزعيم السياسيَّ والعارفَ المربيَّ و شيخَ المحظرة المدرِّس بها كلَّ الفنون. وقد اختط العلامة ببّها منهجا متفردا من الحنكة السياسية و التربية الروحية و التعليم المحظري .. وسأسوق مثالا ذا دلالة معينة بالنسبة لكل من المجالات الثلاثة المذكورة .ففي السياسة كان ببّها وفيا لنهج أسلافه فكان مرجعية معتمدة في المجتمع الشمشوي برمته . ولذلك السبب اتخذ أعيان تشمشه مرة من حاضرة ابير التورس مركز تجمع لهم ينطلقون منه في اتجاه الحاكم الفرنسي في مدينة المذرذرة على بعد 15 كلم لتمثيل المجتمع الشمشوي في نزاع محتدم مع إحدى المجموعات .. و بعد مبيتٍ مناسب تم تنظيمه على مقاسِ الضيوف ، أنيختْ الجمال و تهيأَ الركبُ للإنطلاق و انتظروا هنيهةً وصول التوصيات الأخيرة للقائد السياسي ببَّها الأول فما لبثوا أن جاءتهم صريحةً بالحسانية الفصحى :" أعليكمْ بالنَّفْشَه " فسارتْ تلك العبارة في الناس كالمثل السيار ! وفي مجال التربية الروحية المزاوجة بين الشريعة و الحقيقة اشتهر لمرابط ببَّها بخصلتين أولاهما أنه كان من فرط خوفه من الرياء لا يدرّس فنا إلا و يعتمد فيه ابَّان الإقراءِ على مرجع و ربما كان من تأليف أحد تلاميذه المبتدئين ! والثانية أنه كان كلما استخدم جملا عارية في بعض رحلاته لا يترك مناسبة إلا ينوه فيها ببعض خصال ذلك الجمل الذي يبين أن مالكه هو فلان بن فلان !.. قيل و ذلك مخافة أن يقع تحت طائلة " المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابسِ ثوبيْ زور "! و من نصائحه في مجال التربية و السلوك قوله :" مَنْ أعطى من يستحق و من لا يستحق أعطاه الله ما يستحق و ما لا يستحق ".و في مجال التدريس أقتصر على قصته المشهورة مع العالميْن اليدالييْن المشهورين : محمد سالم بن ألمَّا و محمدْ بن حمّينَّه .. ذلك أنهما قدما إليه مرة من محظرة شيخ الشيوخ يحظيه بن عبد الودود ليدرسا عليه مؤقتا بعض الفنون .. و في مستهل الدرس قال لهما منبها : مهلاً حتى أبين لكما منهجيتنا في التدريس ؟ هي باقتصار أن يقرأَ الطالب النص .. فتارة يكون المدرس هو السبَّاقَ إلى فهمه ، وتارك يسبقه الطالب إلى ذلك و قد لا يفهمه أي منهما في أكثر الأحيان ! إنه التواضع في أجلى صوره ..
و كما تميّز لمرابط محمد فال ببّها بن محمذن بن أحمد بن العاقل فقد تميّز سائر أبنائه من بعده و منهم القاضي محمذن - امييْ علَماً .. وتزامن ظهوره مع قدوم الاستعمار الفرنسي .. فتضاعف تميّزه عندما تقلَّد منصب القضاء رسميا فصار بمثابة قاضي القضاة ثم انتُخبَ بالاجماع كذلك رئيساً لجماعة الحل و العقد في مجتمعه الأبهمي بل رأيتُ مرة وثيقةً من خط محنض بن اسليمان بن الصافي تُعدِّد المكونات الداخلة في دائرة اختصاصه فتوصلها إلى عشرة مجموعات قبلية طبقا للتنظيم الفرنسي الجديد للمجتمع الموريتاني.
وفي مجال القضاء فقد كان للقاضي امَّييْ منهجا فريداً فهو يطوِّفُ الموضوع محل النزاع على أبرز العلماء المعاصرين في المنطقة ثم يستنتج من فتاواهم ما يستعين به على إبرام الصلح أو اتخاذ الحكم إن تعيّن و لا يلجأ إليه إلا للضرورة القصوى .. أما حنكته السياسية فحدثْ عن البحر ولا حرج.و قد سمعت مرة من يقول عن حق "إن القاضي امّييْ جديرٌ بالتأليف عن شخصيته المتميزة ضمن سلسلة العبقريات و ذلك تحت عنوان : عبقرية القاضي محمذن بن محمد فال "!
وكما تميز القاضي محمذن بن محمدْ فال - امّييْ علما - فقد تميَّز كذلك سائر أبنائه من بعده و منهم ابنُهُ و خليفتُه لمرابط محمد فال ببّها - امَّمْ - علما أو ببّها الثاني على حد تعبير أستاذنا محمد المختار بن اپَاهْ حفظه الله ..
أدركَ الفقيد شطراً يسيرا من عمر جده ببَّها الأول المتوفَّى 1334 هجرية و يروي هو نفسُه أنه تفل له في فيهِ طبقاً للعادة المتبعة في بعض المجتمعات تبرُكا و تفاؤلاً .. وهنا أقف لأذكر أن الشيخ سيدي محمد التاگنيتي سأل العلامة محمدْ بن حمينَّه قائلاً : هل لك علاقة بالعلامة محمد فال ببّها ؟ فقال : طبعا هو شيخي في بعض العلوم . فقال الشيخ : و ما ذا بعد ذلك ؟ فقال محمدْ : تربطني به كذلك أواصرُ قربى و صلة رحم .. فأردف الشيخ يقول : و ما ذا غير ذلك ؟ فتدبر محمدْ بن حمينّه مليا ثم قال : رأيتُ مرةً في ما يرى النائمُ أنه تفل في فمي فتفاءلتُ بذلك خيراً ! فقال الشيخ سيدي محمد : هو كذلك .. أهيْهْ ذاكْ ذاكهُ .. ولا زال يكررها شطرا من المجلس !ونبأني بعض العارفين الثقاة أن في ذلك سرا يتناقله الأسلاف الصالحون من عهد الرجل الصالح أبي بكر الصالح ..
التحق المعنيُّ مبكرا بالمدرسة الفرنسية في المذرذرة ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة أبناء الأعيان في اندرْ بالسنغال .. وابّان دراسته في المذرذرة التقى مرةً بالشيخ أحمد حماه الله رضي الله عنه .. وقد روى لي أكثر من مرة كيف تم ذلك فقال: حصل في المدينة مرة استنفار واسع بسبب استعلامات تلقاها الحاكم الفرنسي آنذاك عن وجود هجوم وشيك على المدينة من جهة الشمال تشنه قوة مناهضة للإستعمار يقودها المجاهد الشريف محمد المامون بن الشيخ محمد فاضل ..جعل الحاكم قواته المتواضعة في حالة تأهب قصوى و نصب المدفع الثقيل الوحيد المتوفر فوق سطح سكن الحاكم و أصدر تعليماته السيامية لمدير المدرسة و المعلمين معه بتجميع التلاميذ في مكان آمن في محيط المباني الادارية .. و من بين هؤلاء المعلمين الأستاذ المختار بن أبنُ بن الأمانه - توتاه علَما - قال: فقال لي توتاه : هيا بنا نلجأُ إلى كنف هذا الشريف الوليّ الصالح يعني الشيخ حماه الله ، حتى يكشف الله هذا الخطر الداهم .. فالتحقنا بالشيخ في اقامته الجبرية .. و بعد مراسيم السلام و التعريف بأنفسنا أخبرناه بالهجوم المرتقب و قلنا له اننا جئنا إليه نلتمس دعواته الصالحة ونحتمي بجنابه الكريم.. عندئذ تبسم الشيخ وقال : أنتم تلجأون إليًّ أما أنا فإلى من ألجأ ؟! .. وقال مداعبا : لو نظروا إلى بشرتي السوداء هذه لظنوني بعضاً من غنائمهم المنشودة ! قال محدثي: و بعد مجلس روحاني خاطف في حضرة الشيخ أحمد حماه الله جاء من يخبرنا بأن ذلك النبأ المنذر بالهجوم المَخوف لم يكن سوى وهمٍ من المخبر الذي هو أحد رعاة المترجم ببكر باه ! و عن ذات المترجم الذي حضر اعتقال الشيخ حماه الله لاحقا في مالي رويتُ عن الفقيد كيف تم ذلك قال : حدثني المترجم ببكر باهْ أنه استدعاه الحاكم الفرنسي في تلك المنطقة من السودان الفرنسي قُبَيْلَ الصبح فاستصحبني معه في سيارته الخاصة الى الحي الذي يقطن فيه الشيخ حماه الله و هنالك وجدناه يتوضأ و لم يأذن له الحاكم باكمال وضوئه الذي لم يبق منه سوى رجله اليسرى .. وفي طريق العودة وبعد أن وصلنا منتصف الطريق التفت اليَّ الشيخ و سالني بالحسانية قائلا : ببكر هذا شنه ؟فبادر الحاكم الفرنسي الى جوابه بالحسانية الصريحة :" ذاك ام الشگَاگْ !
وأعود فأقول إن الفقيد التحق بالعمل في الادارة في عهد المستعمر الفرنسي فتقلب في بعض المناصب قبل أن يستقر في العمل في الادارة المحلية .. وبموجب ذلك أمضى فترة طويلة في الحوض و كثيرا ما كان يروي كيف اضطلع هناك بمسؤوليته الحساسة المتعلقة بتحويل الملفات الادارية للولايتيْن من دائرة السودان الفرنسي ( مالي ) الى موريتانيا ..و يروي كذلك أنه قضى السنين ذواتِ العدد هناك دون أن يظفر بعطلة مهما كانت قصيرةً لزيارة الأهل الى أن جاء ذلك اليوم من سنة 1945 الذي عاد فيه الحاكم الفرنسي من اندر ليخبره أن والده القاضي محمذن بن محمد فال يستعجل عودته إلى هناك .. وهكذا عاد لمرابط الى الأهل في ابير التورس بعد غياب طويل فأصبح تاريخ عودته مرجعا لضبط بعض الأحداث التاريخية في الحي : " عام امجِ لمرابط ".و في ضبط تاريخ عودته المشهودة هذه نكتة تروى ..استطرد الفقيد مرة في إحدى الحلقات الدراسية الاعتيادية المنعقدة في المسجد الجامع بعد صلاة العصر تاريخ عودته تلك فقال إنه في شهر سبتمبر من سنة 1945 .. و كان في المجلس الاستاذ الامام عبد الله بن أحمدُّ رحمه الله وكان ذا ذاكرة قوية فقال جازما بما يقتضيه فارق السن بين الرجلين : كنت أظن قدومكم في شهر أغشتْ من السنة ذاتها ! و لما لاحظ الفقيد أن الامام متمسك برأيه قال مداعبا : أما هذه فلا نسلم لك فيها إلاَّ بالدليل و البيّنة ! ثم هرع إلى منزلهم المجاور للمسجد وعاد منه و هو يصطحب معه مفكرته للسنة المعنية و هو يضحك ويقول : سبحان الله العظيم ، الحق معك و لكن بفارق يوم واحد فقط .. إن تاريخ عودتي ليس في شهر سبتمبر 1945 كما توهمت ولكنه في اليوم 31 من شهر أغشتْ 1945 كما ذكرت أنتَ !
هذا وبعد منطقة الحوض تم تحويل الفقيد إلى تجكجه حيث أمضى بعض الوقت .. و خلال عمله هناك تغيب حاكم تيشيت الفرنسي فخلفه الفقيد في المقاطعة هناك .. وعن تلك الفترة سمعته يتحدثُ بإسهاب في رمضان 2019 مع أستاذنا محمد المختار ولد امبالَّه و كنتُ مرافقا له ليلتئذٍ وذلك في مستهل عمله باعتباره منتدباً من المرشح محمد ولدالشيخ الغزواني للإتصال بالمرجعيات الروحية و الدينية في إطار الحملة الانتخابية ..وكان الفقيد هو أول من تم الاتصال به في ذلك الاطار .. وسمعته يقول إن من بين الشخصيات البارزة في مقاطعة تيشيت آنذاك بابَ أمين والد أخينا الشيخ سيدْ أحمدْ ولد بابَ أمين وزير الخارجية الأسبق و أول رئيس للجنة الوطنية المستقلة للإنتخابات .وسمعته كذلك يتحدثُ عن زياراته المتكررة في تلك الحقبة لسدِّ گسامه في منطقة بومديدْ الذي كان يتنازع ملكيته آنذاك فئتان من مريدي الشيخين : محمد عبد الله ولد آدَّه (بدعم من الأمير عبد الرحمان بن اسويد أحمد ) و محمد أحمد ولد الغزواني ( بدعم من الأمير اعلِ ولد بكار ولد اسويد أحمدْ).و في تگانتْ التقى الفقيد الفنان و الأديب الكبير ابَّ فالْ الذي مدحه مدحا متداولاً يعتبر من روائع الشعر الحساني ..
وتمر الأيام و يدخل الشاب المختار ولد داداه معترك السياسة فتنعقد الصلة قوية بين الرجلين . و كانت للمختار معرفة سابقة بأخي الفقيد لأبيهِ : امحمدْ بن القاضي الذي ذكر أنه هو من خلفه مترجما في بئر أم اگريْن و بأخيه لأمه : محمد صالح - انَّنَّ علما- و قد كتب في مذكراته أنه تلقى على يديه تدريبه الأول في مجال الترجمة في مدينة أطار .وحدثني الفقيد مرة أنه رافق المختار إلى فرنسا في الرحلة التي طالب فيها باستقلال موريتانيا لدى الرئيس الفرنسي الجنرال ديگولْ . وقال لي إنه رافق المختار كذلك إلى مدغشقر لحضور مراسيم إعلان الاستقلال هناك .. و في عين المكان زار الموقع الذي كان معتقلا للملك المغربي محمد الخامس رحمه الله ..
و أصبح الفقيد عضواً في أول برلمان في البلاد ولا زال يعاد انتخابه نائبا إلى تاريخ الانقلاب العسكري في 10 يوليو 1978م . وخلال تلك الفترة تعززت الصلة بين الرئيس المختار و النائب محمد فال ببَّها الذي ظل وهو النائب المثاليّ - كما يصفه رئيس الجمعية الوطنية صلْ عبد العزيز - يزاوج بين وظيفتيْ مقتصد الجمعية الوطنية و مقرر لجنة الميزانية فيها.. و حدثني مرة أنه بموجب هذا المنصب الأخير اعترض مرة بقوة على أمر غير قانوني تطلبه الحكومة يتعلق بالميزانية فذكر ذلك الرئيس صل عبد العزيز للرئيس المختار فاستدعاه في مكتبه للإستفسار .. قال: فشرحتُ له الأمر فاقتنع بموقفي أيما اقتناع بل وأمر بتنفيذ الرأي البديل الذي اقترحته عليه في ذلك الشأن.وسمعتُ من محيطه الأسريّ من يروي عن المختار ولد داداه قوله( و هو إذ ذاك في منفاه في باريس) إن محمد فال ببَّها هو الشخص الوحيد الذي عرض عليه حقيبة وزارية فأعرض عن تقلدها و هي وزارةُ المالية !
وطوال تلك الفترة الزاهرة الزاهية من تاريخ البلاد ظلت غرفتُه الغرفة رقم 16 من الحي السكني للنواب بمحاذاة البنك المركزي هي ملتقى الوجهاء و الأعيان و الفاعلين السياسيين و كبار الموظفين من كل الجهات.
وفي بداية السبعينات كان الفقيد يحضر من حين لآخر تلك الندوة الثقافية المسائية التي تنعقد يوميا في منزل المرحوم أحمدُّ بن احميّد و من روادها كذلك امحمدْ بن المختار و المختار بن البُ و حمدن ولد اتّاه وهو إذْ ذاك مدير الشؤون الاسلامية و محمد ولد اخليلْ و كان آنذاك مديرا للأمن الوطني و عبد الله بن يحظيه ..وقد حظيتُ بشرف صانع الشايِ لذلك الصالون العجيب الذي لا زلت أتذكر بعضا من نقاشاته الساخنة في بعض الأحيان و خاصة بين الاستاذين أحمدُّ ولد احميّد و حمدن ولد اتّاه حول موضوع الأصول و الفروع ! و لا زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي كانت فيه للجماعة لقيا بلا ميعاد مع العلامة المختار بن حامدن قادما من منزله المجاور المقابل لدار الثقافة من الجهة الغربية .. دخل اتَّاه و القوم يستعدون لاحتساء كاساتهم من الشاي على طعم الخبز بنكهة الزبد غير الطبيعي .. وبعد مراسيم السلام لاحظ الضيف أن أيدي القوم سكنت عن الحركة بمحاذاة الأكؤس و ما جاورها و استُنفدتْ عبارات المجاملة و ساد الصمت الحذر ، فأراد عندئذ تلطيف الجو فقال مداعبا بالحسانية :" آن ما اتليْتْ ماشِ ريتكمْ انتومَ وامبُورُ " !.
و أذكر أنه في منتصف الستينات توفي القاضي امّييْ فعُيّن الفقيد بالاجماع خلفا له في تدبير الشؤون العامة للمجتمع و هي المسؤولية التي تعززت بسلطته السياسية باعتباره رئيسا لقسم حزب الشعب في مقاطعة المذرذرة قبل أن تتوطد أكثر بانتخابه بإجماع الأحياء المكونة لبلدية ابير التورس أولَ عمدة للبلدية سنة 1988.و هكذا زاوج بين تدبير شؤون البلْدة و البلدية على حد سواء ...
وكان لي الشرف أن كنت أحد الشباب المهتمين بالشؤون العامة للبلدة و مستشارا معه في المجلس البلدي بل كنت بمثابة الأمين العام للبلدية قبل أن يستحدث ذلك المنصب لاحقاً في البلديات .. وكانت تلك مناسبة لا تعوض تعرفت فيها عن كثب على لمرابطْ الانسان و لمرابط القائد و لمرابط الاداري و هذه الصفات الثلاث ينتظمها خيط واحد هو الطيبة .. فالرجل هو كما وصفته سابقا " يجسد المثالية في أوضح صورها و أدق معانيها ".أحببتُ فيه الانسان إلى أبعد حد ، و أعجبتِ بالقائد أيما إعجاب و تعلمت من الاداريِّ في مجال الادارة - و أنا خرّيج السلك العالي من المدرسة الوطنية للإدارة العمومية في الرباط (1982-1984)و الاستاذ في المدرسة الوطنية للادارة في انواكشوط (1985-1990) - تعلمتُ منه إذن ما افتقدته على مقاعد الدراسة و افتقرت اليه في قاعاتِ التدريسْ: منهجية محكمة في العمل و صرامة حازمة في المواعيد و دقة متناهية في الاجراءات ..
سمعتُ الرئيس الأسبق اعلِ ولد محمد فال مرة في منزله يقول في حق صديق له حديث العهد بالتقاعد :" ليته اتخذ من محمد فال ببّها مثالا يُحتذى .. ما إن صدر البيان رقم واحد بإعلان الانقلاب العسكري سنة 1978 حتى عاد إلى حيّه في ابّير التورس و ضرب صفحاً عن المدينة و ضوضائها و تفرغ للمُصحف و المسجد و خدمة المجتمع "!
وقد صدق المرحوم اعل في ما نعت به الفقيد .. أما المصحف فله منه ورد يومي معلوم كما أن له عناية بالقرآن و رسمه و له في ذلك كراس نرجو أن يتم تحقيقه و نشره في القريب العاجل .. ويُشتهر المعنيُّ بأنه عارفٌ بعلوم شتى ومنها ما يسمّى لدينا بسر الحرف .. و لعل مصداق ذلك ما حدثني به مرة صديقه الحميم أستاذنا محمد المختار بن ابّاه .. قال إنه رآه مرة كتب اسما من أسماء الله الحُسنى بصورة هندسية خاصة تتيح قراءة ذلك الاسم مرات عديدة من جهات مختلفة..قال الأستاذ محمد المختار :" ولا شك أن لتلك الصورة تأثيرا معيَّناً ".. و أما المسجد فلم يزل ملازما له يعمره في سائر الأوقات بالصلوات المعهودة و النوافل الدائمة و الدروس المسائية الدورية و هو المؤذن الفريد في المسجدالجامع في وقت السحر .. وكم كان يحمله صوته الروحاني المؤثر في ذلك الوقت الهادئ من الليل إلى قلوب السامعين من شحنة روحانية نافذة . ذلك أنه نداء صادق من القلب مأتاه و إلى القلب مُنتهاه ..أما خدمة المجتمع فهي ديدنه دون تكلف و قد تربّى عليها منذ نعومة أظفاره وشبَّ وشاب على ذلك النهج ..إنها تركة ثقيلة حقا ولكن لنا ثقة راسخة بأن الأبناء سيضطلعون بتلك المسؤولية الجسيمة على الوجه الأكمل ..

رحم الله السلف وبارك في الخلَف .