تفاصيل حصاد العشرية السياسي.. أزمات متتالية وحوارات ناقصة*

أربعاء, 07/31/2019 - 09:28

الحقيقة _أنواكشوط _ عاشت موريتانيا خلال عشرية الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، أحداثا سياسية بارزة وتجاذبات وسجالات قوية، بدأت منذ الساعات الأولى لتوليه السلطة في انقلاب عسكري أطاح بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في البلاد.

فللمرة الأولى في موريتانيا تشكلت جبهة معارضة في يوم الانقلاب العسكري الذي قاده ولد عبد العزيز مع مجموعة من رفاقه أبرزهم الرئيس الجديد للبلاد محمد ولد الغزواني عام 2008.

فقد شكلت عدة أحزاب سياسية بارزة جبهة معارضة للانقلاب العسكري، سميت "الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية" تولت قيادة الحراك السياسي المناهض للانقلاب ووضعت على قائمة مطالبها عودة الرئيس المدني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.

نظمت "الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية" العديد من المسيرات والاحتجاجات في العاصمة نواكشوط، وأجبرت ولد عبد العزيز على الدخول في حوار سياسي برعاية دولية كان بداية لحوارات أخرى فشلت كلها في وضع حد للأزمة السياسية التي استعصت طيلة عشرية الرجل القادم من ثكنات الجيش.

داكار المحطة الأولى
استجاب ولد عبد العزيز تحت ضغط المجتمع الدولي وتزايد حدة الاحتجاجات على الصعيد المحلي، للدخول في حوار برعاية دولية هندسه الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد.

كان فندق المريديان في العاصمة السنغالية داكار، مكانا لمفاوضات شاقة بين الفرقاء الموريتانيين، وتولى رئاسة وفد الحكومة وزير المالية حينها سيد أحمد ولد الرايس، فيما ترأس وفد المعارضة رئيس حزب "اتحاد قوى التقدم" محمد ولد مولود.

وفي يوم 4/ 6 / 2009 وقعت أطراف الأزمة السياسية بنواكشوط رسميا على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في دكار.

وتضمن الاتفاق، عودة رمزية للرئيس المطاح به سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وتشكيل حكومة توافقية من 26 وزيرا وتقاسم عضوية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، بالإضافة إلى تفاهمات غير مكتوبة منها إطلاق سراح سجناء سياسيين أبرزهم الوزير الأول السابق يحيى ولد أحمد الوقف.

وبعد الانتخابات الرئاسية التي نظمت بعد ذلك بأشهر، سرعان ما تدافعت أطراف الأزمة السياسية المسؤولية عن خرق الاتفاق، إذ اعتبر ولد عبد العزيز أن رفض المعارضة الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية حينها بمثابة خرق للاتفاق.

فيما اعتبرت المعارضة أن ولد عبد العزيز خرق الاتفاق الذي يلزمه بالعمل بعد الانتخابات على إكمال التوافق، لتعود الأزمة السياسية على أشدها من جديد.

الحوارات الناقصة
في خريف 2009 دعا الرئيس ولد عبد العزيز لحوار جديد، وبدأت أولى جلسات هذا الحوار يوم 18 سبتمبر 2009 بقصر المؤتمرات في نواكشوط.

وقد شاركت في هذا الحوار أربعة أحزاب معارضة فقط، هي "التحالف الشعبي التقدمي"، "الوئام"، "الصواب"، "حمام" بالإضافة إلى أغلب أحزاب الموالاة وفي صدارتها حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية".

وقد ركز حوار 2009 على قضايا التناوب السلمي عل السلطة ودور مؤسسة الجيش، والإعلام العمومي، والوحدة الوطنية واستقلالية القضاء، وترأس الحوار حينها وزير التهذيب أحمد ولد باهيه، ورئيس حزب "الوئام" بجيل ولد هميد.

في العام 2012 كانت البلاد على موعد آخر مع الحوارات المنقوصة، إذ تم تنظيم حوار جديد، قاطعته أيضا غالبية أحزاب المعارضة، وكانت أبرز نتائجه إجراء تعديلات على الدستور، فيما ظلت الأزمة السياسية في جوهرها قائمة.

تقليص الأحزاب السياسية
بعد حوار 2012 تمت المصادقة على قانون جديد ينظم الأحزاب السياسية تم بموجبه منع الترشح المستقل والترحال السياسي وحظر الأحزاب السياسية التي تحصل على أقل من 1% في الانتخابات، أو لا تشارك في اقتراعين متتاليين.

وفي مارس 2019 أصدر وزير الداخلية أحمد ولد عبد الله مقررا يقضي بحل 76 حزبا سياسيا دفعة واحدة، في أول تطبيق للقانون الجديد، حيث لم تبق بعد مقرر الوزير سوى 28 حزبا سياسيا نشطا، من أصلا 105 هي عدد الأحزاب السياسية حينها في البلاد.

تعديل واستفتاء
وشهدت فترة حكم ولد عبد العزيز، تعديل الدستور الموريتاني مرتين، إحداهما تم تمريرها عبر البرلمان، فيما اضطر الرئيس لإجراء استفتاء عام للتعديل الثاني عقب رفض مجلس الشيوخ لمشروع التعديلات الذي قدمته الحكومة.

ففي العام 2012 عرض ولد عبد العزيز تعديلات دستورية على البرلمان صوت عليها 69 من نواب الأغلبية الحاكمة، فيما رفضها نواب المعارضة.

وتضمنت تعديلات الدستور عام 2012 مواضيع من بينها تجريم ممارسة العبودية والانقلابات العسكرية والنص على التنوع الثقافي لموريتانيا أي أن موريتانيا مكونة من عرقيتين عربية وزنجية.

وفي العام 2017 عرض ولد عبد العزيز تعديلات دستورية على البرلمان وصوت ضدها مجلس الشيوخ، قبل أن يتم تمريرها في استفتاء شعبي.

ومن أبرز التعديلات الدستورية التي تمت في العام 2017 إلغاء مجلس الشيوخ واعتماد نظام الغرفة الواحدة، واستحداث مجالس جهوية منتخبة، وإدخال تعديلات تتعلق بعلم البلاد الوطني بإضافة خطين أحمرين.

ونصت التعديلات الدستورية أيضا على تجميع مؤسسات دستورية مثل المجلس الإسلامي الأعلى ووسيط الجمهورية في مؤسسة واحدة تحت مسمى المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، إضافة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي أصبح يسمى "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي".

إخماد أزمات سياسية
نجح الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز في إخماد بعض الأزمات السياسية التي شهدتها موريتانيا خلا العشر سنوات التي تولى فيها إدارة البلاد، وكانت أكثرها قوة الاحتجاجات التي بدأت مع بداية الربيع العربي والمسيرات التي خرجت في نواكشوط للمطالبة بإسقاط حكمه.

كما نحج ولد عبد العزيز أيضا في التصدي لأزمات رفض المعارضة المتكرر الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها سواء في العام 2009 أو في العام 2014، بالإضافة إلى التصدي لأزمة رفض التعديلات الدستورية ومواجهة الشيوخ المناهضين لتعديل الدستور.

وقبيل مغادرته السلطة أثار ولد عبد العزيز الجدل في الساحة السياسية من جديد، بعد مشاركته في الحملة الانتخابية لدعم رفيقه محمد ولد الغزواني.

وقد رفضت المعارضة الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 22 يونيو الماضية وفاز فيها محمد ولد الغزواني، لكن ولد عبد العزيز سرعان ما أخمد الأزمة بفتح مفاوضات مع مرشحي المعارضة لانتخابات الرئاسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يدخل هذا التقرير ضمن سلسلة تقارير تنتجها وكالة الأخبار المستقلة عن حصاد عشرية الرئيس محمد ولد عبد العزيز ، منها:

حصاد العشرية: تزايد المؤسسات المالية وارتفاع الأسعار وتدهور الأوقية