مع اقتراب استكمال تعميم المدرسة الجمهورية على سنوات التعليم الابتدائي، قبل سنة واحدة من اكتمال الحلقة الابتدائية وفق مسارها التدريجي، تبرز أهمية هذا المشروع الوطني بوصفه أحد الرهانات الاستراتيجية لإعادة بناء المدرسة الموريتانية، وتعزيز دورها في ترسيخ المواطنة وتكافؤ الفرص والاندماج الثقافي والاجتماعي.
لقد شكّل إطلاق مشروع المدرسة الجمهورية سنة 2022، بإرادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، محطة مهمة في مسار إصلاح المنظومة التربوية، انطلاقًا من رؤية تعتبر التعليم ركيزة أساسية لبناء الدولة الحديثة، وأداة محورية لتجاوز الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم الإنصاف والعدالة.
ولا تقتصر فلسفة المدرسة الجمهورية على توحيد الفضاء المدرسي أو تقريب فرص الولوج إلى التعليم العمومي، بل تتجاوز ذلك إلى بناء مشترك للوعي الوطني، وتوفير بيئة تربوية يلتقي فيها أبناء الوطن، على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية، حول قيم المواطنة الجامعة، والاحترام المتبادل، والشعور بالانتماء إلى دولة واحدة ومصير مشترك.
ومن هذا المنظور، فإن المدرسة الجمهورية ليست مجرد إصلاح إداري أو تربوي، ولا إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بموسم دراسي، بل هي مشروع لبناء الإنسان الموريتاني، وإعادة الاعتبار للمدرسة بوصفها فضاءً جامعًا تتراجع فيه الفوارق المصطنعة، وتتكرس فيه المساواة في الحقوق والواجبات، وتُتاح فيه فرص التعلم أمام جميع الأطفال، بصرف النظر عن أوضاع أسرهم أو خلفياتهم الاجتماعية.
وقد رافق تنفيذ المشروع جهد إصلاحي شمل مراجعة البرامج والمناهج، وتوحيد المقررات، وتعزيز تكوين المدرسين، وتوسيع البنية التحتية المدرسية، إلى جانب إجراءات ترمي إلى الحد من الفوارق في البيئة التعليمية. وقد عرضت وزارة التربية، في أبريل 2026، جملة من هذه التدابير، مؤكدة ما تحقق من تقدم، مع الإقرار باستمرار بعض التحديات، ولا سيما ما يتعلق بتكوين المدرسين والاكتظاظ.
إن بلوغ المشروع مرحلة متقدمة من تعميم السنوات الابتدائية يمثل مناسبة لتقييم ما تحقق، ليس فقط من حيث أعداد المدارس والفصول والتلاميذ، وإنما كذلك من حيث جودة التعلمات، ومستوى التحصيل، ومدى تحقق الإنصاف في النفاذ إلى تعليم نوعي. فنجاح المدرسة الجمهورية لا يُقاس بمجرد توحيد الزي أو البرامج، وإنما بقدرتها على توفير تعليم جيد، وإعداد أجيال تمتلك المعارف والمهارات والقيم التي تؤهلها للمشاركة في بناء الوطن.
كما أن البعد الثقافي للمدرسة الجمهورية يظل ركيزة أساسية في مشروع الاندماج الوطني، بما يستدعي تعزيز حضور المكونات الثقافية واللغوية الوطنية في إطار رؤية تربوية متوازنة، تحفظ التنوع وتجعله مصدر غنى وتكامل، وتؤسس لثقافة المواطنة الجامعة التي تتسع لجميع الموريتانيين.
ومع ما تحقق من خطوات، فإن المرحلة المقبلة تضع أمام الدولة والأسرة التربوية والمجتمع مسؤولية مضاعفة، تتمثل في تثبيت المكتسبات، ومعالجة الاختلالات، وتحسين ظروف المدرسين، وتطوير أساليب التقييم والمتابعة، وضمان تكافؤ الفرص بين مدارس المدن والأرياف، حتى لا تظل المساواة مجرد مبدأ معلن، بل تتحول إلى واقع ملموس في حياة التلاميذ.
إن المدرسة الجمهورية، بما تحمله من أبعاد تربوية واجتماعية ووطنية، تمثل رهانًا طويل الأمد يتجاوز حدود المأموريات والبرامج الحكومية، لأنها تتصل بمستقبل الدولة ومتانة وحدتها وقدرتها على بناء مجتمع متماسك، قوامه العلم والإنصاف واحترام التنوع.
وإذا كان فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني قد وضع هذا المشروع في صدارة رؤيته لإصلاح التعليم، فإن استدامة مساره تظل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب التزامًا مؤسسيًا متواصلًا، وتضافر جهود الأسرة التربوية والأسر والمجتمع، وإرادة جادة لتحويل أهدافه إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم.
فالمدرسة الجمهورية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء دولة المواطنة، حيث تتكافأ الفرص، وتصان الكرامة، ويكون التعليم حقًا مشتركًا وجسرًا للاندماج الاجتماعي، وأساسًا لموريتانيا موحدة، قوية بمؤسساتها، وغنية بتنوعها، ومطمئنة إلى مستقبل أجيالها.
المستشار الشيخ أحمد الشيباني
منسق المدرسة الجمهورية