لم يكن تأسيس جامعة العلوم الإسلامية بلعيون سنة 2011 مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى منظومة التعليم العالي في موريتانيا، بل شكّل أول تجربة للامركزية التعليم العالي في البلد، وخطوة مهمة نحو توسيع فرص الولوج إلى التعليم الجامعي، وتعزيز التكوين والبحث العلمي في مجالات العلوم الإسلامية واللغة العربية والعلوم الإنسانية.
وقد عكست هذه الخطوة توجهًا نحو تقريب مؤسسات التعليم العالي من المواطنين، وتوسيع إسهامها في التنمية العلمية والثقافية. غير أن الانتقال من فكرة التأسيس إلى بناء مؤسسة جامعية قائمة بذاتها لم يكن أمرًا يسيرًا؛ إذ واجهت الجامعة في بداياتها تحديات متعددة، ارتبطت بمحدودية الموارد المالية والبشرية، ومتطلبات البناء الإداري والأكاديمي واللوجستي، فضلًا عن صعوبة توفير الظروف الملائمة لانطلاقة مؤسسة جامعية حديثة.
وفي مواجهة هذه التحديات، اضطلع أول رئيس للجامعة، البروفيسور محمد ولد أعمر، بدور مهم في قيادة مرحلة التأسيس، والعمل على تجاوز الصعوبات التي اعترضت انطلاقتها، ووضع اللبنات الأولى لبنائها الإداري والأكاديمي. وقد تزامن ذلك مع جهود الأساتذة المكتتبين الذين لم يقتصر دورهم على التدريس، بل شاركوا في إعداد المناهج والمقررات والبرامج الدراسية، وتولوا مسؤوليات أكاديمية وإدارية، وأسهموا في إرساء التقاليد الجامعية والنظم المؤسسية.
لقد شكّل هؤلاء الأساتذة ركيزة أساسية في بناء الجامعة، حيث جمعوا بين التدريس والتأطير والتسيير، وتحملوا مسؤولية تطوير المؤسسة علميًا وإداريًا في ظروف لم تكن دائمًا ميسرة. ومن ثم، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بإسهامات هذا الجيل المؤسس، وبما قدمه من جهود أسهمت في تكوين أجيال من الخريجين ورفد مختلف مجالات الحياة العلمية والمهنية.
وبعد مرحلة التأسيس، دخلت الجامعة مرحلة اتسمت ببعض التجاذبات والتباينات في العلاقة مع القطاع الوزاري الوصي، خلال فترة رئاسة الأستاذ الدكتور محمد المأمون مينحن. وقد انعكست تلك الظروف على العلاقة بين الجامعة والوزارة، وعلى مواردها المالية وإمكانات تسييرها وتطوير عروضها الأكاديمية. وهي مرحلة تستحق التوثيق والدراسة في سياقها المؤسسي والتاريخي، بعيدًا عن الأحكام الشخصية.
ثم دخلت الجامعة مرحلة جديدة من التطوير والتحديث، اتجهت فيها الجهود نحو تحسين الإمكانات، وتوسيع التخصصات والتكوينات، والانتقال من مرحلة الليسانس إلى الماستر، ثم فتح آفاق التكوين في الدكتوراه. وقد مثّل ذلك تحولًا نوعيًا في مسار المؤسسة، إذ لم يقتصر على توسيع عروض التكوين، بل شمل تعزيز البحث العلمي والعمل على استكمال الهياكل الأكاديمية.
وفي هذه المرحلة، اضطلع عدد من الكفاءات الأكاديمية الوطنية بمسؤوليات إدارية وعلمية أسهمت في تسيير الكليات وتطوير برامجها؛ حيث تولى الدكتور محمد ولد سيدي محمد أحمده عمادة كلية أصول الدين، والأستاذ الدكتور أحمَّدا إدوم نافع عمادة كلية الشريعة، والأستاذ الدكتور أحمد محمود أفاه عمادة كلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية، فيما تولى الدكتور سيدي محمد الجيد عمادة الدراسات العليا.
وشهدت بعض هذه المسؤوليات تغييرات لاحقة، فتولى الأستاذ الدكتور محمد المختار محمد فاضل (بداه) عمادة كلية أصول الدين، بعد أن سبق له أن تولى عمادة الكلية من قبل، كما تولى الأستاذ الدكتور مامودو كان عمادة كلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تعداد للأسماء والمناصب، وإنما بإبراز دور الكفاءات الأكاديمية الوطنية في تحمل مسؤولية التأطير والتسيير، والمشاركة في تطوير المؤسسة، إلى جانب جهود الأساتذة المكتتبين والمتعاقدين والطاقم الإداري.
ومن أبرز الأعمال التي ميزت هذه المرحلة إعداد الملفات الوصفية للتكوينات وملفات الاعتماد الأكاديمي، ووضع التصورات الخاصة بوحدات البحث ومدرسة الدكتوراه، وهي أعمال اضطلع بها الطاقم الأكاديمي والإداري بمشاركة الأساتذة المكتتبين والمتعاقدين، وتحت إشراف ومتابعة رئيس الجامعة، البروفيسور محمدو لمرابط أجيد.
وقد أتاح التنسيق بين مختلف مكونات المؤسسة والعمل بروح الفريق تحقيق خطوات مهمة في مسار تطوير الجامعة، وتعزيز مكانتها الأكاديمية. ومن مقتضيات الإنصاف الإشارة إلى الدور الذي اضطلع به رئيس الجامعة الحالي في قيادة هذه المرحلة، وما بذله من جهود في متابعة الملفات الأكاديمية والإدارية، وتعبئة الإمكانات، وتوسيع التكوينات، وتعزيز مسار الدراسات العليا.
غير أن هذه التحولات لا يمكن اختزالها في جهود رئيس الجامعة وحده، فقد كانت ثمرة عمل مؤسسي جماعي شاركت فيه مختلف مكونات الجامعة، كل من موقعه ومسؤوليته. فالمؤسسات الجامعية لا تُبنى بجهد فرد واحد، وإنما بتراكم الخبرات، وتكامل الأدوار، واحترام التقاليد والنظم الأكاديمية والإدارية التي تضمن استمراريتها.
وإني أكتب هذه السطور من موقع من عايش تجربة الجامعة منذ إرهاصاتها الأولى، وكنت جزءًا من جيلها المؤسس، ومساهمًا في مسارها الأكاديمي والإداري، إذ توليت فيها مسؤوليات أعتز بها، وأتاحت لي تجربة وخبرة أثمّنهما.
ومن هذا الموقع، لا أكتب بدافع المجاملة لمسؤول، ولا انتقاصًا من جهود آخر، ولا انحيازًا لمرحلة على حساب أخرى، وإنما انطلاقًا من قناعة بأن الوفاء للمؤسسات يقتضي إنصاف تاريخها، والاعتراف بجهود جميع الذين أسهموا في بنائها، وتوثيق ما تحقق في مختلف مراحلها بموضوعية وتجرد. إنها شهادة من داخل التجربة، غايتها صيانة الذاكرة المؤسسية، وحفظ حقوق الأجيال التي تحملت مسؤولية التأسيس والتطوير.
فالمسؤوليات في مؤسسات الدولة تكليف يُسند إلى من تتوافر فيه الكفاءة والأهلية، وتاريخ المؤسسات ينبغي أن يوثق بموضوعية، بعيدًا عن التملق أو التجريح. وإذا واصل الرئيس الحالي قيادة الجامعة، فإن ما تحقق في مرحلته يستحق التقدير والتوثيق، وإذا أُسندت إليه مهام أخرى، فإن إنجازاته ستظل جزءًا من تاريخ المؤسسة، لا تنتقص منها مغادرته للمنصب، ولا تتوقف عند حدود بقائه فيه.
إن الوفاء لمرحلة التأسيس، والإنصاف في تقييم مسارات التطوير، والاعتراف بإسهامات مختلف الأجيال والكفاءات، واحترام استمرارية المؤسسات، تمثل جميعها مبادئ أساسية ينبغي أن تحكم كتابة تاريخ الجامعة وتقييم تجربتها. فالمؤسسات لا تختزل في الأشخاص، ولا ترتبط إنجازاتها ببقاء المسؤولين في مواقعهم، وإنما تقوم على تراكم الجهود والخبرات، وتكامل المسؤوليات، واستمرارية العمل المؤسسي.
ومن هذا المنطلق، فإن صيانة تاريخ الجامعة تقتضي حفظ إسهامات من أسسوا، وتقدير جهود من طوروا، وتهيئة الظروف لمن سيواصلون مسيرة البناء والتحديث.
فالجامعة أكبر من الأشخاص، ومسيرتها ذاكرة مشتركة لكل من أسهم في بنائها، ومستقبلها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المسؤوليات والمراحل.
الدكتور محمد ولد سيدي محمد أحمده
عميد سابق ومستشار لرئيس الجامعة.