الفيلة الافوارية فى مواجهة النجوم السوداء ( نهائي افريقيا )

أحد, 02/08/2015 - 16:47

لن تكون قمّة باتا اليوم الأحد ملفوفة في وشاح "النهائي العادي"، حيث أنّ طرفي حفلة إسدال الستار على النسخة الثلاثين للكان، والحديث عن كوت ديفوار وغانا، يمتلكان في جعبة منافساتهما الثنائية على الصعيد القاري، أسراراً بالجملة وتاريخاً ترفع له القبّعة، والمتسائل في هذا السياق بإمكانه أن يعود بالتاريخ لـ"كان 1992" لكي يفهم المقصد.

من حسن حظ هذه النسخة الرثّة على أكثر من صعيد، أن يكون طرفا النهائي بعراقة الكرتين الإيفوارية والغانية، حيث من المرتقب أن يقدّم هاذين المنتخبين "الثقيلين فنياً"، لوحة رائقة، قد تمحو الكثير من البصمات القاتمة التي لوّنت صورة هذه النسخة الفاشلة من كأس أمم أفريقيا.

طبق ختامي بهوية كروية عالية المستوى مطلب ملحّ وغير سهل، لكنّه يبقى في المتناول بحضور نخبة من النجوم الرائعين من لفيف المنتخبين، الذين أردنا تسليط ضوء خاص عليهم باعتبارهم فواعل رئيسية في ترجيح كفّة أيّ طرف على حساب آخر، أو ما يسمّى بمنطق الرسوم الخططية الحديثة "اللاعبين المفاتيح" في كلّ منتخب.

مفاتيح الأيام الخوالي 

صورة من الزمن الجميل للنجم الغاني أنتوني إيبواه

الحديث عن مكامن القوّة في المنتخبين الغاني والإيفواري في نسخة الكان الحالية، يجرّنا بالضرورة إلى استذكار أيام التوهّج في العصور التي مضت، وعلى وجه الخصوص كأس أمم أفريقيا للعام 1992 التي احتضنها السنغال، وكان مشهدها الختامي إيفوارياً-غانياً.

اعتبرت كان 92 مسرحاً للمنتخبين الذين أبدعا في تلك النسخة وأخرجا نخبة من اللاعبين الرائعين الذين كانوا بالفعل محور الأداء في كلّ منتخب، حيث كانت المباراة النهائية مشتعلة ومتكافئة إلى حدود دقائقها الـ120، قبل أن تنتقل الإثارة إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت للأفيال الإيفوارية بـ11 ركلة ناجحة مقابل 10 لغانا، لتخلّد قمّة ملعب "الصداقة" بداكار في أرشيف الكرة الأفريقية.

صورة من جيل المبدع جويل تييهي أمام منتخب زامبيا في الدور ربع النهائي من "كان 1992" بالسنغال 

كانت "النجوم السوداء" في ذلك الوقت تملك في صفوفها نجم كلّ الأجيال، "الساحر" أبيدي بيليه، الذي تُوّج بجائزة أفضل لاعب في الدورة، والذي رفع لقب دوري أبطال أوروبا في نسخته الأولى بتسميته الجديدة وكان ذلك مع أولمبيك مارسيليا الفرنسي عام 1993، ولا يمكن أن ننسى "الفنّان" أنتوني إيبواه، النجم السابق لليدز يونايتد الإنكليزي وأينتراخت فرانكفورت الألماني، إضافة إلى برانس بولاي لاعب أشانتي كوتوكو الغاني ومحترف هيرنفين الهولندي.

صورة أخرى لصراع القوتين التقليديتين من جيل دروغبا وإيسيان

لم تقل الكفّة الإيفوارية عن نظيرتها الغانية، حيث احتوت صفوف بطل كان 92 على ثلّة من النجوم الرائعين، وباستثناء المهاجم القيدوم جويل تييهي (نجم لوهافر ولانس الفرنسيين سابقاً)، يكفي أن نقول أنّ ثلاثة أسماء كاملة دخلت تشكيلة الكاف مع نهاية المسابقة في ذلك العام، والحديث عن الحارس التاريخي ألان غواميني والمدافع الحديدي باسيل أكا كوامي ومتوسط الميدان سيرج ألان ماغوي.

مواطني سيتي وذئب روما.. مركز ثقل الأفيال

الموهبة الفطرية لم تقتصر على الجيل الذهبي لكلّ منتخب في كان 92، بل أنّ الكرتين الغانية والإيفوارية واصلتا إنجاب العديد من الأسماء الرائعة التي ملأت دنيا الكرة وشغلت عشّاقها.

وإذا ما تطرّقنا إلى عناصر النّجاح في تشكيلة المدرب الفرنسي إرفيه رينار، فحدّث ولا حرج، فمواطن القوّة عديدة حتّى أنّها كادت تغطّي نقاط الضعف كلياً، ولكن بالأساس ستبقى أنظار الفنيين والمتابعين مركّزة على الثالوث الحيوي المتكوّن من ضابط الإيقاع في منطقة وسط الميدان يايا توريه (أفضل لاعب أفريقي في 4 مناسبات متتالية) ودعامتي الهجوم الأساسيتين، ويلفريد بوني وجيرفينيو.

صحيح أنّ للأفيال هنّات على مستوى خطّهم الخلفي الذي لا يزال يعاني تركّزاً للسذاجة في تفكير أغلب أسمائه، غير أنّ الهجوم الضارب ووسط الميدان ذو التقنيات العالية، يسمح للمدافعين ببعض الراحة من هجومات المنافسين والتقاط الأنفاس، بسبب أنّ "الأفيال" يهاجمون بلا هوادة وغالباً ما تكون غاراتهم في الخط الأمامي في قمّة الخطورة إن لم تكن مثمرة أساساً.

تقنياً، سيتجنّب رينار أيّة فلسفة على مستوى التشكيل قد تكلّفه الكثير خصوصاً أمام منتخب يعجّ بالمواهب الفردية المميّزة، فمحور عمل الفريق سيدور حول تحرّكات القائد يايا توريه، حيث من المتوقّع أن يقوم نجم السيتيزنس بلعب دوره القيادي المعهود في افتكاك الكرات وهندسة العمل الهجومي وإنهاء الهجمات كما يفعل في البريميرليغ، وسيستعين لتكريس نجاعته بالطوربيد السريع لنادي روما الإيطالي، جيرفينيو، الذي سيكون حتماً مركز الإزعاج الأول للمنتخب الغاني بسرعته الجنونية وتوغّلاته الخاطفة، إضافة إلى ويلفريد بوني قنّاص سوانسي سيتي الأسبق والمنتقل حديثاً إلى كتيبة "المواطنين"، الذي سيلعب دور العقرب الذي يتحيّن أيّ فرصة للسع مرمى المنافس بإمكاناته العالية في التمركز ودهائه التكتيكي في إيجاد الثغرات.

ويمكن القول أنّ رينار، الذي سبق له وأن رفع اللقب الأفريقي مع زامبيا في نسخة 2012 وعلى حساب كوت ديفوار بالذات، له من الإمكانات على مستوى القراءات التكتيكية، وخصوصاً حذقه في معالجة الجوانب البسيكولوجية مع تصرّفه الحكيم في هذه الترسانة من النجوم، قد يكون مؤهّلاً جدياً لنزع نحس كوت ديفوار المتعلّق برفع لقبه الثاني في الكان الذي ظلّ ينتظره 23 عاماً.

نجلا أبيدي بيليه ونجم الـ"فريولي".. أساس النجوم السوداء

حال أفرام غرانت مدرب المنتخب الغاني غير بعيد عن نظيره رينار في هذه النسخة، ولو أنّ خبرة كلّ منهما "أفريقياً" لا يمكن مقارنتها، حيث أنّ غرانت يخوض تجربته الأولى في هذا العرس القاري لذلك من الطبيعي أن توجد تفاصيل عديدة تغيب عنه في مثل هذا النهائي.

وبعيداً عن التاريخ وبالعودة إلى النسخة الحالية، فالأكيد أنّ غرانت، الذي خلف جايمس كويسي أبياه في كرسي التدريب، يعي جيّداً أنّ منتخب غانا ليس كأي منتخب آخر، فعراقة الغانيين تليدة والدليل 19 مشاركة أفريقية و4 ألقاب، كما أنّ مواهبهم أيضاً ليست وليدة اليوم، ويبقى على غرانت التكفّل بحسن التدبير لكي يقدر على مجاراة الأفيال.

من هنا تلوح الأسماء القادرة على رفع لواء النديّة، وأوّلهم نجلا أبيدي بيلي، أندريه (3 أهداف) وجوردان أيوو، الذين يمتلكان خصالاً مختلفة على المستوى الهجومي، فإن كان أندريه نجم مارسيليا والقائد الثاني للمنتخب بعد الهدّاف أسامواه جيان (تبقى مشاركته بين الشك واليقين)، يتّسم بالميول إلى الفردية بعض الشيء نظراً لمهاراته الفنية العالية، فإنّ أخاه الأصغر جوردان المنتمي حالياً إلى لوريان، معروف بجماعيته أكثر وخصوصاً حذقه لاستغلال الفرص على الرغم من أنّه لا يشغل خطة رأس الحربة، فهو لاعب حرّ ولا يحبّ الانضباط التكتيكي كما هو حال أيّ لاعب مهاري.

أمام كوت ديفوار، سيكون للأخوين أيوو الدور الفاعل في زعزعة الاستقرار الدفاعي ولكن قبل ذلك يجب أن يمرّوا من معركة الوسط الذي يسيطر عليها في الجانب الآخر الفكّاك الرائع سيري دي والعملاق يايا توريه، هذا الثنائي المتكامل يبدو صعب الهزم، ولكن قد يكون أمر الإطاحة بهما ممكناً في حال بروز "القائد الثالث" والمنتمي إلى صفوف أودينيزي الإيطالي، إيمانويل أغيمانغ بادو، وهو لاعب فنّان يمزج بإتقان الأدوار الدفاعية مع الهجومية أي أنّه يختزل دوري التغطية والمساندة في دور واحد، وهو ما يعدّ أمراً غير متوفّر بكثرة في المنتخبات الأفريقية، ويمكن وصف بادو أنّ متميّز بحرفنة ستيفان أبياه هجوماً وميكايل إيسيان دفاعاً.

في خضمّ هذه المنافسة الثلاثية بين نجوم غانا (أندريه أيوو – جوردان – بادو) وأفيال كوت ديفوار (يايا توريه – جيرفينيو – بوني)، لن ننسى التذكير ببعض محاور الاهتمام الأخرى في كلّ منتخب التي لعبت دوراً فاعلاً في ديناميكية الفريقين، ويمكن أن نذكر في هذا السياق واكاسو مبارك (سلتيك الإسكتلندي) وكريستيان أتسو (هدفان في الدورة، إيفرتون الإنكليزي) من الجانب الغاني، ونظيرهما ماكس غراديل (سانت إتيان الفرنسي) وسيرج أورييه (باريس سان جيرمان الفرنسي).

ختاماً، وبغض النظر عن مدى فاعلية هذه المفاتيح في نهائي اليوم من عدمها، فإنّ لا أحد يشكّك في أنّ وجود هذه النخبة في منافسة مباشرة على شرف نهائي كأس أمم أفريقيا، هو بحدّ ذاته متعة لعشّاق الكرة ومفخرة للقارة السمراء.

 

( بي ان سبورت )